جذور الفنّ التشكيلي الفلسطيني ... نبذة تاريخية
في الوقت الذي انطلقت فيه بدايات الحركات الفنية التشكيلية في كثير من البلدان العربية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؛ تأخر انطلاق الحركة الفنية التشكيلية المعاصرة في فلسطين؛ بسبب انشغال المواطنين الفلسطينيين، بمن فيهم المواهب الفنية الناشئة، عن المسائل الثقافية والفنية وانخراط كثيرين منهم في الدفاع عن وطنهم الفلسطيني؛ إذ كانت مخططات الحركة الصهيونية النشيطة والمتحالفة مع المستعمر البريطاني تستعد بشراسة لاقتناص فلسطين وطرد مواطنيها وإقامة دولة اليهود العنصرية.
ولفلسطين، كغيرها من البلدان العربية، تراث فنيّ عريق يتمثل بـ :
1- ما خلفه الأجداد الكنعانيون والفلسطينيون (الفلسترز) السكان الأوائل لفلسطين من آثار فنية والخوض في تفاصيل فنون الأجداد من سكان فلسطين الأوائل (الكنعانيون والفلسطينيون) يحتاج إلى مختصين للتحدث بشأنه وتحديد معالمه والتعريف به؛ ليصبح أحد مصادر الإلهام والترابط بتاريخنا القديم .
2- التراث الأيقوني المسيحي:
وهو فنّ قائم وحاضر انطلق منذ نحو ألفيّ سنة، وهو منتشر في شتى بقاع العالم، إنه عطاء فنيّ مستمر بنهج ثابت وأسلوب واحد وأهداف محددة؛ فقد جاء في كتاب الفنان كمال بلاطه "استحضار المكان – دراسة في الفن التشكيلي المعاصر" أن منبع الفن التشكيلي الفلسطيني تعود أصوله إلى الفن الأيقونوغرافي أو ما درج على تسميته "الفن المسيحي" فقد تعرفوا عن طريقهم على أدوات ومواد الفنّ التشكيلي الحديث وتقنياته في التصوير والرسم والأصول التي انطلقت منها الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية المعاصرة أصول مختلفة شكلاً ومضموناً عن الفنّ الأيقونوغرافي. إن أولئك الفنانين الفلسطينيين الأوائل، في بدايات القرن العشرين، الذين أتيحت لهم فرصة تعلم الرسم والتصوير من الفنانين الأيقونوغرافيين، عرباً كانوا أم أجانب، ولربما من كتب وصور فنية غربية وصلت لهم، فرّقوا في إنتاجهم بين اللوحة الأيقونية واللوحة التي كانوا يرسمونها للمناظر الطبيعية أو الطبيعة الصامتة أو حتى للأشخاص من حيث الشكل والمضمون .
3- التراث الإسلامي العربي:
إن تراثنا الفني الإسلامي العربي التشكيلي تراث ثريّ وعظيم، بتكويناته الهندسية والنباتية الزخرفية، وأشكال خطوطه، ورسوم ولوحات المخطوطات، لم يؤثر فقط في إنتاجنا، بل تعدانا ليؤثر في إنتاج الكثيرين من فناني العالم. هو فنّ عظيم بحاجة لمزيد من الدراسات المعمقة من قبل أخصائيين وباحثين عرب كي يصبح هذا الفن مستوعباً من قبل المثقفين والفنانين والجماهير العربية، ومصدر إلهام لهم.
4- الفن الشعبي الفلسطيني:
الفنون الشعبية الفلسطينية، وتحديداً عالم التطريز، فنون على قدر كبير من القيمة الفنية، بأشكالها وألوانها وتناسق وحداتها وعفويتها، والأهم من ذلك تمكنها من العطاء المستمر وتطورها على مدى آلاف السنين رغم الغزوات والاحتلالات. كان هذا الفن الشعبي مصدر إيحاء كبير للفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر.
ورغم تأخر انطلاق الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية المعاصرة عن مثيلاتها العربية؛ فإنّ الفن التشكيلي العربي المعاصر عموماً انطلق من المفهوم والشكل الغربي للفنون التشكيلية الحديثة.
من الأسماء الفلسطينية التي برزت في مجال الرسم والتصوير في النصف الأول من القرن الماضي: نقولا الصايغ، وتوفيق جوهرية، ومبارك سعد، وجمال بدران وشقيقاه خيري وعبد الرزاق ثم داوود زلاطيمو، وزلفى السعدي، وخليل، وصوفي حلبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وحنا مسمار، وفضول عوده وغيرهم. هؤلاء مارسوا رسم اللوحة (لا نعرف أحداً مارس النحت إلاّ حجارين مغمورين وحنا مسمار الناصري الذي كان يمتهن صناعة الفخار وشكل من فخاره بعض المواضيع الشعبية والوطنية).
لكن هؤلاء الفنانين الفلسطينيين الأوائل لم يتمكنوا من تأسيس حركة جماعية لها حضور على الساحة الثقافية في فلسطين، وظل مجمل إنتاجهم محصوراً في إطار المهنة أو الهواية القريبة من الاحتراف، وعلى سبيل المثال: فإنّ فلسطين قبل عام 1948 لم تعرف معرضاً تشكيلياً واحداً لأحد أولئك الفنانين الفلسطينيين، معرض بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ولم يكن في فلسطين أية قاعة لعرض الفنون التشكيلية. كانت هناك نشاطات فردية لبعض الفنانين، كأن يشارك أحدهم بلوحة أو أكثر، بمناسبة معينة، لتعرض في مدرسة أو ناد، إلى جانب معروضات متنوعة أخرى، كالأشغال المدرسية.
ومن هؤلاء الفنانين:
* نقولا الصايغ: (توفي عام 1930)، كان رساماً محترفاً، رسم عدداً كبيراً من اللوحات الزيتية، لكنها لم تعرض مرة بمعرض خاص في قاعة واحدة. وكان جل إنتاجه، إما لوحات أيقونية، تعمل للكنائس أو الأديرة، أو لوحات لطبيعة صامتة أو لمناظر طبيعية تباع بالقطعة للسياح وحجاج بيت المقدس. لم يختلف حال توفيق جوهرية بإنتاجه وأهدافه عن الصايغ.
* مبارك سعد (1880– 1964)، رسم وصوّر أشخاص بشكل متقن، وكان متفوقاً بإنتاجه من الناحية الفنية والتقنية عن زملائه في تلك الفترة.
* خليل حلبي (1889 – 1964)، رسم الأيقونة ولوحات دينية مسيحية ومناظر طبيعية.
* صوفي حلبي (1912 – 1997)، رسمت لوحات بالألوان المائية للطبيعة الصامتة، والزهور بشكل خاص، وتتسم لوحاتهما برهافة حس و تأثيرية متقنة.
* جمال بدران (1909 – 1997)، وشقيقاه تفوقا في مجال الفنون التطبيقية، وهي فنون جميلة لكنها تظل في إطار الفن التطبيقي الذي لا يعتبر حتى اليوم، وفقاً لأنظمة اتحادات الفنانين التشكيليين في العالم العربي والدولي جزء من الفنون التشكيلية.
* داود زلاطيمو (1906 - 1999)، رسم العديد من اللوحات الزيتية لشخصيات تاريخية كعمر ابن الخطاب عندما وصل القدس فاتحاً وطارق بن زياد، وصلاح الدين الأيوبي، وزنوبيا، وصور فيها أحداث تاريخية عربية، مثل: "معاوية يركب البحر، كما صور بالألوان الزيتية والمائية والطباشيرية مناظر طبيعية في فلسطين. كان أسلوبه واقعي توثيقيّ و بعض لوحات زلاطيمو كانت معلقة في بعض غرف مدرسة اللد أو في بيوت الأقارب والأصدقاء، ولم تعرض أبداًً في معرض خاص.
* زلفى السعدي (1905 – 1988)، يعتقد بأنها تعلمت الرسم على يد نقولا الصايغ وربما عند بعض الراهبات. تعرفنا على بعض أعمالها أواسط التسعينيات لأول مرة شكل لنا اكتشافاً مهماً في مضمار الفن التشكيلي الفلسطيني.
تنم بعض أعمالها الزيتية منها بشكل خاص، عن قدرة فنية ملفتة للنظر لأسباب كثيرة؛ كونها فتاة فلسطينية من عائلة مقدسية مسلمة، أتقنت تعلم هذا الفن واستعملت الأدوات الفنية التشكيلية بشكل سليم وبجدية، وتناولت مواضيع في لوحاتها لم يتناولها أحد من زملائها من قبل؛ فبالإضافة إلى رسمها للمنظر الطبيعي والطبيعة الصامتة، رسمت الشخصيات العربية البارزة كطارق بن زياد، وعمر المختار، والشريف حسين، وجمال الدين الأفغاني، وأحمد شوقي، ومواضيع شعبية، وهي الأكثر أهمية، لفتيات ورجال قرويين يحملون نتاج حقولهم الزراعية أو يبيعونها، وصورت شيخاً عجوزاً يتكئ على عكازه وآخرين مثلهم، كما رسمت المنظر الطبيعي، كالمسجد الأقصى بإتقان مرهف. لم يكن اختيارها لهذه الشخصيات والمواضيع صدفة بل بدافع من الموقف الإنساني الحياتي لهذه الفنانة.
زلفى السعدي، عرضت بعض إنتاجها الفني من اللوحات ومن أشغال نسويه، كأشغال الإبرة، والتنسيل، والتطريز في إحدى غرف المكان الذي أقيم فيه "المعرض العربي القومي"، الذي أقامته "شركة المعرض العربي بفلسطين المحدودة" في القدس عام 1933، وهو معرض فلسطيني عام عرضت فيه منتجات زراعية وصناعية وما إلى ذلك. وقد أمّ هذا المعرض أعداد غفيرة من المواطنين الفلسطينيين وشخصيات عربية معروفة. وحازت فيه زلفى السعدي على إعجاب وتقدير زوار المعرض، لا شك بأن ما أقدمت عليه زلفى كان عملاً رائداً في الحياة الفنية الفلسطينية.
الأمر اللافت للنظر هو أن أحداً من أولئك الفنانين الفلسطينيين الذين ذكرت أسماؤهم فيما سبق، والذين يعتبرون طلائع الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية المعاصرة، لم يتناول موضوعاً فلسطينياً يمت بصلة للأحداث الرهيبة التي كانت تمر بها بلادنا فلسطين. لقد كانت معظم، إن لم نقل كل، إنتاج أولئك الفنانين من لوحات أنجزت في ذلك الزمن العنيف والرهيب في فلسطين هي لوحات أيقونية لصالح الكنائس والأديرة، أو لوحات لمناظر طبيعية أو سياحية وما شابهها.
إن الفن الذي لا يتفاعل مع أحداث الحياة، بحلوها ومرها، جمالها وبشاعتها، يسرها وعسرها ولا يعبر عنها، يظل فن نخبة ضئيلة في المجتمع. كما أنه لا يشكل حركة فنية أو ثقافية مؤثرة في حياة الناس والوطن ولا يحقق له حضوراً ملموساًً في الحركة الفنية التشكيلية العربية والعالمية، لذلك؛ فإن الحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية المعاصرة تكونت عندما صار الفنان جزء من مجتمعه، يتحسس معاناته ومآسيه، أفراحه وأغانيه، واقعه وأمانيه.
تكونت يوم صار المواطن بشكل عام يرى في اللوحة صورته ومعاناته، آماله وتطلعاته، لوحة تحيي فيه روح الاعتزاز والفخار، وتشق له دروب الحياة والبقاء، وتشعل نور الأمل والتمنيات رغم كل شيء في سبيل تحقيق الأماني الإنسانية والقومية والوطنية، وهذا لم يحدث إلاّ بعد عام النكبة عام 1948.