عربي | Eng
مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا
Twitter اضفنا الى المفضلة، او اضغط Ctrl+D اجعلنا صفحة البداية
|الرئيسية|من نحن|اتصل بنا|


Bookmark and Share

مواقف الحركة الوطنية الفلسطينية من انتقال الأراضي للحركة الصهيونية 1930- 1935

مقدمة:
لقد شكلت قضية الحفاظ على الأرض في المجتمع الفلسطيني ظاهرة هامة عميقة الأثر في نفوس الناس كافة، وكانوا يرون تزايد انتقال الأراضي من الأيدي العربية إلى الأيدي اليهودية نذير شَكَل وخطر قادم لا محالة.
 فالتواجد اليهودي كان في توسع وتزايد، وكان الناس في مطلع الأمر يعرفون أن سلطة الانتداب تقوم بدور كبير في إتاحة الفرصة لليهود بالتوطن في الأراضي الحكومية التي منحتها لهم الحكومة بالإضافة إلى تلك التي قام اليهود بشرائها من مُلاك غائبين خارج فلسطين بعدما أعيد رسم الحدود بين فلسطين من جهة وبين لبنان وسوريا من جهة أخرى.
إلا أن شح الوضع الاقتصادي وتنامي الضائقة المالية على المزارع الفلسطيني بالإضافة إلى الضرائب التي كانت تلاحقه حتى في نومه كانت تجبره في كثير من الأوقات على بيع جزء من أرضه لا بهدف البيع ولكن بهدف الإبقاء على البقية الأخرى في يده. هذا الوضع زاد الطين الفلسطيني بلة وكان لابد من التصدي لهذا النشاط وعدم السماح بالتنازل عن الأرض لأي سبب كان، لأن ذلك إنما يعني اقتلاع الإنسان الفلسطيني من جذوره وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة لغرس صهيوني جديد. إزاء ذلك نشطت الحركة الوطنية في هذا المجال وكان رد الفعل الوطني مواكباً وسريعاً في معالجة هذه الظاهرة منذ البداية إلا أنه لم يكن منظماً بالدرجة اللازمة والفاعلة ولم تبرز فعالية هذا النشاط إلا في عامي 1934-1935 حيث نظمت فعاليات كثيرة هامة ومؤثرة.
هذه النشاطات لم تلق اعتباراً كبيراً ممن تناولوا التاريخ الفلسطيني والسياسة الفلسطينية وكانوا يمرون عليها دون توقف أو تمعن رغم أنها نشاطات أصيلة للحركة الوطنية.
 لقد أخذت قضية بيوع الأراضي الفلسطينية وانتقالها إلى الجانب الصهيوني حيزاً هاماً في الدراسات والبحوث الفلسطينية بعد عام 1948 إلا أن دور الحركة الوطنية تجاه هذه القضية لم يسجل بالشكل المناسب إذ تناولته بعض الكتب بصفحة واحدة أو أقل وبعضها تناوله في سطور وبعضها لم يأت عليه أبداً وكأن قضية الأرض لم تكن هي قلب الصراع الحقيقي.
 إن هذا البحث وهو يفرد هذه الصفحات القليلة لهذا النشاط الذي أغفله كثير من الباحثين لا يدعي أنه أحاط بالموضوع بشكل كامل ولكنها محاولة جادة لإلقاء الضوء على جانب من جوانب مسرح عمليات الحركة الوطنية الفلسطينية، خصوصاً وأنه اعتمد في جزء منه على مصادر أصلية مستندة إلى التقارير البريطانية التي واكبت المرحلة ذاتها.
 تشخيص  المشكلة
 تطور انتقال الأراضي الفلسطينية:
كان يهود فلسطين قبل الحرب الأولى يملكون حوالي 650 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية أي 2.5% من مساحة فلسطين البالغة 27 مليون دونم (1).
وقد تطور عدد ومساحة المستعمرات والأراضي الزراعية التابعة لليهود في فلسطين تطوراً سريعاً، فقد كان عدد المستعمرات عام 1882 خمس مستعمرات زراعية فقط بلغت مساحتها 25 ألف دونم، ثم زاد العدد عام 1900 إلى 22 مستعمرة بلغت مساحتها 220 ألف دونم، ثم إلى 47 مستعمرة زراعية عام 1914، وبلغت المساحة التي استولى عليها اليهود آنذاك بشتى الطرق 420 ألف دونم (2).
مع بداية الثلاثينيات بدأت الهجرة اليهودية تأخذ وتيرة متصاعدة، إذ زادت الهجرة عن الطور المألوف، ونشطت الحركة الصهيونية في بناء "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين بعد الركود الذي أصاب الحركة الصهيونية في النصف الثاني من عشرينيات هذا القرن بسبب الأزمة الاقتصادية، وقد كان نتيجة هذا النشاط أن هاجر في النصف الأول من هذا العقد إلى فلسطين 182,839  مهاجراً يهودياً في الوقت الذي هاجر إلى فلسطين في الإحدى عشرة سنة التي تبدأ من عام 1920 حتى عام 1930 حوالي 96,259 مهاجراً، وبلغت نسبة الزيادة في السنوات الخمس الأولى من الهجرة 190%، فقد بلغ عدد المهاجرين في السنوات الثلاث التي تبدأ من 1933 حتى 1935 ما مقداره 134,540 مهاجراً، وهي تزيد عن الهجرة في الثلاثينيات بحوالي 150%.
وفي الطرف الآخر زادت بيوع الأراضي إلى اليهود في فلسطين بوتيرة لا تقل عن وتيرة تصاعد أعداد المهاجرين اليهود، فقد بلغ عدد ما بيع لليهود عام 1931، سبعون ألف دونم، أما ما بيع عام 1935 فقد بلغ 187 ألف دونم أي بزيادة 260%.

جدول بأعداد المهاجرين اليهود، وبيوع الأراضي من عام 1931-1935 (3).
العام               عدد المهاجرين                  عدد الدونمات المباعة
1931                4075                              70,000   
1932               9553                              100,000 
1933             32327                              150,000
1934             42359                             160,000
1935             61854                             187,000
كانت كمية الأراضي المباعة قبل الثلاثينيات تتركز في الأراضي المشتراة من المُلاك الغائبين الذين يسكنون خارج فلسطين، وقد بلغت كمية الأراضي التي اشترتها الحركة الصهيونية من الملاك المقيمين 10% فقط من مجموع ما اشترته حتى عام 1929 (4).
أما المرحلة من  عام 1932 وحتى العام 1936 فقد شهدت تغيراً أساسياً في مصدر عمليات البيع للطرف اليهودي، فقد ارتفعت لأول مرة نسبة الأراضي المتنازل عنها سواء من كبار الملاك المقيمين، أو صغار الفلاحين في حين انخفضت الأراضي المشتراة من المُلاك الغائبين، ويُرَدُّ تفسير هذه الظاهرة إلى القهر الذي لحق بالفلاحين وأصحاب الأملاك (5).

أساليب انتقال الأراضي إلى الملكية اليهودية
تنوعت هذه الأساليب، فقد تعلق بعضها بحكومة الانتداب حيث قامت هذه الحكومة بدور واضح في تسهيل حصول اليهود والحركة الصهيونية على كميات كبيرة من الأرض عن طريق الآتي:
أولاً: الهبات الحكومية للحركة الصهيونية.
ثانياً: إصدار القوانين التي من شأنها تسهيل العملية ووضعها في الإطار القانوني.
ثالثاً: عمليات التسوية.
  رابعاً: استخدام القوة.
خامساً: التطبيق الاقتصادي.
سادساً: إنشاء البنوك الصهيونية.

 أولاً: الهبات الحكومية:
نصت المادة الثانية من الانتداب على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، أما المادة السادسة فقد ذكرت أن على إدارة فلسطين " مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى " أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي المَوَات غير المطلوبة للمقاصد العامة (6).
من هنا فهمت الحكومة البريطانية أن عليها أن تخصص جزءاً من الأراضي الأميرية لإسكان المهاجرين اليهود بالتعاون والتفاهم مع الوكالة اليهودية، وقد كان تصرف الحكومة البريطانية في هذا المجال واسع الحدود، إذ أنها قامت بإقطاع اليهود كمية كبيرة من الأرض.
فقد أصدر هربرت صموئيل أول مندوب سامي بريطاني (يهودي الأصل) أمراً بتسليم أراضي الغور للحركة الصهيونية، وكان هذا الغور مسجلاً باسم السلطان عبد الحميد أثناء العهد العثماني، واصبح مسجلاً باسم الحكومة البريطانية بعد أن استولت على فلسطين وأصبحت حرة التصرف فيه، وما كاد المندوب السامي يستقر في البلاد حتى أقطع هذا الغور للحركة الصهيونية لزراعته والانتفاع به، كما أعطت الحكومة اليهود 200 ألف دونم في مرج ابن عامر، كانت تؤجر امتيازها لملاكين من خارج البلاد وطردت أصحابها بالقوة، وأعطتهم الحكومة كذلك أراضى منطقتي عتليت والكبارة والتي بلغت 175 الف دونم، وكذلك 175 ألف دونم منحت عن طريق الحكومة لشركة البوتاس أو شركة البحر الميت، وكذلك 18 ألف دونم لشركة كهرباء روتبرغ كما منحت 82 ألف دونم من أراضي الحكومة في مناطق مختلفة من البلاد (7).

 ثانياً: إصدار القوانين التي سهلت نقل الملكية لليهود:
كان القانون العثماني يتيح للمسلمين حق تملك الأرض، إذا قام الشخص باستغلالها وإصلاحها، وقد استطاع سكان فلسطين الحصول على كميات كبيرة من الأراضي الحكومية عن هذا الطريق، ولكن لم يتيسر لكثير من أصحاب هذه الأراضي تسجيل هذه الأراضي باسمهم في دوائر الحكومة، فبقيت الأراضي تحت تصرفهم بمنطق وضع اليد عليها، إلا أن الحكومة البريطانية عندما تولت الانتداب وأرادت وضع البلاد في وضع يضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي قامت بإصدار مجموعة من القوانين ألغت بموجبها بعض القوانين العثمانية، وإدارياً أيضاً للحكومة حق التصرف في أملاك الحكومة بما يتعارض مع مصلحة السكان العرب التي نص عليها سواء وعد بلفور أو صك الانتداب الذي أعطته عصبة الأمم البريطانية بضرورة عدم المس بمصالحهم.
وقد أصدرت الحكومة البريطانية في 16 فبراير 1921، قانون تعديل القانون العثماني، واشترط هذا القانون، الحصول على إذن من مدير الأراضي لاستصلاح الأرض الموات، وتقع عقوبة على كل من نقب وأصلح أرضاً مواتاً بدون إذنه، "كل من نقب أرضاً مواتاً أو زرعها دون أن يحصل على موافقة من مدير الأراضي لا يحق له أن يحصل على سند ملكية بشأن تلك الأراضي ويعرض نفسه فضلاً عن ذلك للمحاكمة لتجاوزه على الأرض"(8).
وبذلك فقد انتزعت هذه المادة كل الحقوق النابعة من وضع اليد على الأراضي واستصلاحها منذ مدة زمنية بعيدة كما أنها  لم تحم الملاكين الذين وضعوا يدهم على الأراضي الحكومية بموجب القانون العثماني في عهد الدولة العثمانية، ولم يسجلوها رسمياً، وكان ذلك بهدف:
أولاً: تخليص الأراضي غير المسجلة تسجيلاً رسمياً.
ثانياً: حصر التصرف في الأراضي لمدير الأراضي فقط.
ثالثاً: اجبار الملاك الذين آلت إليهم الأرض من خلال المدى الزمني على ترك هذه الأملاك تحت طائلة العقاب.

وقد حدث ذلك كي تحصل الحكومة على قدر كبير من الأراضي، ثم كي تمنع أي أحد من وضع اليد على أية أملاك حكومية واستصلاحها دون علم الحكومة. وقد كان هذا القانون موجهاً فقط لإيقاف النشاط العربي فيما يتعلق بأراضي الحكومة أما اليهود فقد كانت لهم الأرض دون مشاكل.
كما نصت المادة (9) الفقرة الرابعة من القانون المعدل على أنه اذا أعلنت أرض محولة (*) بسبب عدم وجود من يملك حق الطابو فيها، وإذا تنازل أصحاب حق الطابو عن حقوقهم فيها، ولم تعلن أرضاً عمومية، فإنها تطرح للمزايدة، ولمدير الأراضي الحق في التصرف فيها بموجب القانون.
وقد جاء في دستور فلسطين الصادر عام 1922 مواد كثيرة أعطت للمندوب السامي حق التصرف في الأراضي العمومية والحقوق المتعلقة بها.
ثم سنت الحكومة مشروع قانون نزع الملكية، وأباحت لصاحب أي مشروع حق نزع ملكية أية أرض مناسبة لمشروعه إذا لم يوافق مالكها على بيعها. وقد كانت المشروعات في معظمها يهودية لأن اليهود هم أصحاب رؤوس الأموال، أما الأراضي المصادرة فقد كانت أراضٍ عربية (9).
وإمعاناً في تهويد الأرض الفلسطينية، فقد أصدرت الحكومة البريطانية مرسوماً بتعديل قانون فلسطين عام 1933، وقد وضع هذا القانون نصاً أجاز للمندوب السامي تحويل أراضى الميري إلى أراضٍ ملك.
"يجوز للمندوب السامي أن يحول بمرسوم يصدره أية أراضٍ في فلسطين يسميها في المرسوم من صنف الميري إلى صنف ملك" (10).
وبذلك تيسر للمندوب السامي أن يمنح لليهود أية أراضٍ يرى أنها مناسبة لإنشاء الوطن القومي لليهود.

 ثالثاً: عمليات تسوية الأراضي:
وكان القصد من هذه العمليات هو إنشاء مركز لإحصاء أراضي الحكومة وتسوية نزاعات ملكية الأراضي، وقد كانت هذه المشاكل من الأمور التي تعيق حصول اليهود على الأراضي العربية، فأرادت حلها من خلال هذه العمليات، وقد شكلت محاكم للأراضي المتنازع عليها أو الأراضي التي لها كوشان الملكية من عهد الدولة المنتدبة لإثبات ملكيتها من مأموري تسجيل الأراضي، وكان هؤلاء ينتخبون من غير السلك القضائي، وكثير منهم كانوا يعملون بانسجام مع المصالح اليهودية (11)، إذ كان هؤلاء يعتبرون كل كوشان عثماني يملكه يهودي صحيحاً، فتسجل الأرض التي يدعيها صاحب الكوشان مهما بلغت، أما الكوشان الذي يملكه عربي فقد كان محل اعتراض من قبل مأموري الأراضي. وفي الوقت نفسه كانت مهمة محاكم الأراضي أن تطيل هذه القضايا أمداً طويلاً جداً، ينتهي عادة بتسجيل تلك الأراضي باسم أملاك الحكومة وحرمان أصحابها العرب منها ويستند الحكم الجائر في ذلك إلى أن الأراضي معطلة، ومن ثم تبقى الأرض باسم الدولة مجرد فترة انتقالية لا أكثر ثم تعود الدولة من بعدها فتسهل انتقال الأراضي إلى اليهود (12).

 رابعاً: استخدام القوة:
وكان هذا يحدث عندما تقع بيوع للأراضي لا تراعي حقوق المزارعين الذين خدموا الأرض عشرات السنين، وأصبح لهم بموجب هذه المدة حق المزارعة، حيث رفض كثير من هؤلاء إخلاء الأرض التي عاشوا عليها وزرعوها بجهدهم وعرقهم، فكانت قوات الاحتلال تطردهم وتسهل لليهود عمليات الاستيلاء على الأرض.
وفي التقرير الذي قدمته الحكومة البريطانية للجنة الانتداب عام 1935 مثال صارخ على ذلك، إذ يقول التقرير، إنه في يناير قامت قوات البوليس بإخراج قبيلة عربية من أراضٍ كانت تسكن عليها، بعد أن حكمت المحكمة بذلك، فقام أفرادها برفض النزوح وتنفيذ أوامر البوليس البريطاني، وتصدوا للبوليس وألقوا عليه الحجارة، فردت قوات البوليس باطلاق النار على الأهالي مما أدى إلى قتل أحد أفراد القبيلة (13).
ويقول عزه دروزه- وهو شاهد على المرحلة- أن كثيراً من القرى والمزارع التي اشتراها اليهود من الأُسر السورية واللبنانية، قد أُجلي سكانها الفلسطينيون عنها بالقوة حتى أن بعضهم قد قتل برصاص الإنجليز وهم يدافعون عنها (14)، ومن الشواهد الخطيرة في هذا المجال ما حدث في مشكلة أرض وادي الحوارث التي بيعت لليهود وبلغت ثلاثين ألف دونم بمبلغ 41 ألف جنيه فلسطيني، وكانت أرضاً سهلية ساحلية خصبة، وعندما أراد اليهود وضع اليد عليها بعد شرائها، رفض سكانها لأن الشراء أغفل حقوقهم، ولم يخصص لهم مصدر رزق ولا مأوى يذهبون إليه، وكان ذلك نابع من تصور الحكومة التي لم تظهر دورها إلا في إلقاء السكان إلى الشوارع لإرضاء الطرف اليهودي، فأرسلت ستة عشرة شاحنة محملة بقوات البوليس والشرطة في 15 يونيو 1933 وأجلت السكان الرافضين بالقوة، بأن قوضت بيوتهم وخيامهم، وقذفت بها في العراء (15). 

خامساً: الضغط على الفلاحين وأصحاب الإمتيازات:
إن أفضل من يشرح هذا العامل هو مقال نشره أحد الفلاحين الفلسطينيين في جريدة فلسطين عام 1930 شهر أغسطس حيث قال في مقاله "إنني أبيع أرضي وممتلكاتي لأن سياسة الحكومة تجبرني على ذلك، فهي تطلب مني دفع الضرائب، والعشور، في الوقت الذي لا أملك فيه الوسائل الضرورية للحياة لإعالتي وإعالة أسرتي، وفي مثل هذه الظروف، أحاول أن أتوجه مستغيثاً إلى الأغنياء للحصول على قرض، والذي يجب عليّ أن أدفعه في نهاية المدة مع 50% من قيمته كفائدة [بعد شهرين في كثير من الأحيان] ولعدم قدرتي، فإنني أظل أجدد المدة وتتضاعف الديون التي لم آخذ منها إلا قدراً صغيراً من الفائدة والأموال" (16). وقد ذكر جون هوب سمبسون في تقريره أن الفلاحين العرب في وضع مشين، فهم إلى جانب حاجتهم للأموال اللازمة للزراعة ، فإنهم غارقون في ديون كثيرة، وهذه الديون تزداد باستمرار نتيجة للضرائب الباهظة ومعدلات الفائدة العالية على الديون إلى جانب أن الفلاحين العرب لا يعرفون كيفية الاستفادة من طرق الزراعة الحديثة التي يمكن أن تساعدهم (17).
وقد أدى الضغط الاقتصادي إلى إجبار أصحاب الامتيازات كذلك على التخلص من امتيازاتهم، وقد حدث ذلك واضحاً مع سليم علي سلام ومختار بيهم وهما أصحاب امتياز تجفيف مستنقعات الحولة واستغلالها، وقد حدث ذلك في عهد الدولة العثمانية، إلا أن وقوع الحرب العالمية الأولى حال دون إتمام الامتياز، وقد قامت الحكومة بوضع عراقيل أمام إتمام المشروع وشجعتهما على التنازل لليهود، ونجحت في ذلك، ووافقت الحكومة على تنازل سلام عن الامتياز لليهود، وقد كانت الأراضي التي تم التنازل عنها بيعاً لليهود أكثر من خمسين ألف دونم، وقد تذرع أصحاب الامتياز في تنازلهم عنه، بأن المشروع كثير النفقات، وبأنهما يخشيان انتهاء مدة الامتياز وعودة الأراضي للحكومة (18).
وقد أدى الضغط الاقتصادي على أصحاب الأراضي إلى دفع هؤلاء إلى بيع كميات كبيرة من أراضيهم، وقد جاء في شهادة أحد القيادات العربية أمام اللجنة الملكية التي جاءت لكي تحقق في أحداث 1936 : "لا يزال الفلاح العربي كما أعرب مثقلاً بالديون، بخلاف ما كان في زمن تركيا، ولذلك سعيت لدى المندوب السامي مراراً كي يعيد فتح بنك القروض الزراعية، لاعتقادي بأنه الوسيلة الوحيدة التي تنشل الفلاح من هذا الخراب، لكنكم لا تريدون فتح هذا البنك، وذلك كي يزداد الفلاح فقراً ويضطر إلى بيع أراضيه" (19).
أدت هذه السياسة إلى تمكين اليهود من شراء كميات كبيرة من الأرض ما بين عامي 1931-1935 تقدر بمئات آلاف الدونمات وفي أخصب المناطق، مثل سهل مرج ابن عامر الذي باعت فيه أسرة سرسق اللبنانية 400,000 دونم وأجلت عنه 22 قرية عربية، وباعت كذلك أسرة بيهم وسلام وهما ايضاً من الأسر اللبنانية مساحة 30 ألف دونم في وادي الحوارث (20).

 سادساً: دور البنوك ومؤسسات تطوير الأراضي:
وقد قامت الحكومة بانشاء عدد من البنوك في مرحلة لاحقة كانت مهمتها إقراض الفلاحين الفلسطينيين بفوائد كبيرة، وعندما كان الفلاح يعجز عن سداد ديونه، كانت البنوك تقوم ببيع أرضه للحركة الصهيونية.

وقد لعب بنك باركليز دوراً تخريبياً كان في هذا الصدد، وقد جاء في شهادة المطران جورج حبوش أمام لجنة التحقيق الملكية أن البنك كان يقوم باقراض الفلاح بفائدة تبلغ 9%، وفي الحقيقة كما يقول المطران أن الفائدة كانت تفوق ذلك بكثير وهو ملتزم بأن يدفع الفائدة سلفاً ورأس المال في آخر العام وهو أمر لم يكن يستطيعه في معظم الاحيان لذلك كانت تعرض أراضي الفلاحين للبيع ولم يستطع شراءها إلا الحركة الصهيونية (21).

وقد دعم قانون 1933 المعدل لقوانين الهجرة والأراضي في فلسطين دور البنوك فقد جاء في المادة العاشرة "أنه يجوز بيع أية أرض ارتهنها مصرف تسليف سواء كانت واقعة في منطقة بلدية أو منطقة تنظيم مدن بأمر من أمور الإجراء، بلا أمر أو قرار من المحكمة مع إنذار المدين بالسداد قبل ثلاثة شهور من الأجل" (22).
ومن العوامل التي دفعت الفلاح لبيع أراضيه أنه كان يرغب في الوفاء بما تراكم عليه من ديون أو لتطوير الأراضي لتكون على غرار الأراضي اليهودية بعد أن هالهم إنتاج المزارع اليهودية  الحديثة. من هنا توجه لهذه البنوك التي مثلت به كما يقول المثل "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
وما زاد السوء في الاقتصاد الفلسطيني وأضعف المدخولات المالية التي كانت تنعكس على الوضع الاقتصادي بشكل عام، هو أن العامل الفلسطيني، الذي كان صنوٍ الفلاح، والذي كان في كثير من الأحيان وجهين لعملة واحدة حيث كان يعمل فلاحاً وعاملاً لزيادة مدخوله الاقتصادي، كان يجد تمييزاً اقتصادياً موجهاً ضده، من قبل الحكومة وأصحاب الأعمال بشكل عام، فلقد كان العامل اليهودي يتقاضى أربعة أضعاف الأجر اليومي الذي يتقاضاه العامل العربي الذي يعمل في سلك الخدمة العامة في الحكومة (23)، وقد ترك ذلك أثراً نفسياً سيئاً على العامل العربي.

ويذكر غسان كنفاني أنه في الوقت الذي كان يتقاضى فيه العامل العربي مبلغ 39 قرشاً أسبوعياً كانت المرأة اليهودية العاملة في شركات التبغ تتقاضى أجرة يومية تتراوح بين 170 و 30 قرشاً (24). من هنا، كانت القدرة الاقتصادية للفلاح الفلسطيني والعامل الفلسطيني لا تقارن بما لدى اليهودي.
إن تأثير الضغط الاقتصادي الذي مارسته الحكومة على الفلاحين، لبيع أرضهم والرحيل عنها تلخصه حكاية رواها المطران فريغوريوس حجار أمام لجنة بيل عام 1937 والتي حققت في ثورة 1936 وأسبابها. قال المطران: "كنت مرة في قرية الرامة في قضاء عكا، وهناك سمعت شكاوى السكان في هذه البلدة وجوارها حيث كان فيها أكبر موسم للزيتون والزيت النقي، وطالماً كرر (الأهالي) الشكاوى إلى المندوب السامي عن استعمال معمل شيمن للزيت الصناعي، وهو المعمل الذي تعززه الحكومة بأن تعفى من الرسوم الجمركية كل ما يرد إليه من الفول السوداني، الذي يستخرج منه الزيت، وبعد ذلك يخلط هذا الزيت بزيت الزيتون، ويباع باسعار دنيئة جدا ً (لضرب محصول الزيت العربي) وقد ألح الأهالي في شكاوى متكررة لطلب حماية زيتهم من هذه الأزمة، فألفت الحكومة لجنة كلفتها بالاستماع إلى  أهل القرية، وتوجهت إلى الرامة وما كان أشد دهشة هؤلاء (أهل القرى) وامتعاضهم عندما رأوا على رأس هذه اللجنة مدير معمل شيمن نفسه" (25).

 الـوسائل الصهيونية المستخدمة لشراء الأرض العربية
وقد اتبعت الحركة الصهيونية أساليب خبيثة لشراء الأرض العربية، وقد أنشأت لذلك أجهزة وصناديق ومؤسسات صهيونية عديدة لهذا الشأن، من هذه المؤسسات:
 1-الوكالة اليهودية.
2-الجمعية اليهودية للاستعمار في فلسطين (بيكا).
3-صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار (البنك الصهيوني) 1899 .
4-الصندوق الفلسطيني التأسيسي الكيرن هايسود 1930
.
 وغيرها من الأدوات التي كلفتها بمتابعة عملية شراء الأراضي العربية، وقد اتبعت هذه المؤسسات عدة وسائل منها:

1- الشراء المباشر: حيث كان يقوم وكلاء هذه المؤسسات بالاتصال بكبار أصحاب الأراضي والاتفاق معهم على شراء أجزاء من أراضيهم. وذلك كما حدث في حالة وادي الحوارث، ومعظم المعاملات التي جرت مع الملاك الغائبين. وقد قدمت الوكالة اليهودية لائحة بأسماء عدد من كبار الملاك الذين اشترت منهم أرضاً للجنة التحقيق الملكية عام 1936 شملت  العديد من الأسماء الوطنية المعروفة من أمثال، معين الماضي، ورشيد الحاج إبراهيم، وسعيد طباري، ونايف صبحي، وإبراهيم صهيون، وميخائيل توما، وإبراهيم وتوفيق الخليل، وعبد الصالح الطباري، والحاج خليل طه، وأسعد الشقيري، وعبد الله مخلص (26).


2- المضاربات: وقد ساهم في هذا الجانب كبار الملاك فقط، اذ لم يكن لدى صغار الملاك لا الإمكانات ولا الأرض الكافية للدخول في مثل هذه المضاربات، وكانت هذه المضاربات تحدث على الأراضي لتحقيق الربح السريع والإثراء الخيالي، وقد قام كثير من الملاك ببيع أراضيهم رغبة في ترك البلاد والخروج منها بأموالهم للاستقرار في بلاد الخارج، ويقدر فاينشتوك [خبير أراضٍ أجرى دراسة عن الأراضي في فلسطين] إيراد الإقطاعيين وكبار الملاك في البلاد بنحو 854,796 جنيهاً فلسطينياً عام 1933 زادت الى 1,647,836 جنيهاً فلسطينياً عام 1934 وأصبحت 1,699,488 جنيهاً فلسطينياً عام 1935 (27).

3- البنوك: كانت البنوك التي أقامتها حكومة الانتداب تقوم بتقديم قروض مرتفعة الفائدة للفلاحين، ثم تقوم بتحصيل رأس المال بالإضافة إلى الفائدة في نهاية المدة المتفق عليها ولكن عجز الفلاحين كان دائماً يعرض أراضيهم للبيع من قبل البنوك، وقد بيعت عن هذا الطريق آلاف كثيرة من الدونمات. وقد تعاملت البنوك مع المؤسسات الاقتصادية الصهيونية المهتمة بشراء الأراضي مثل، صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، والصندوق القومي اليهودي والصندوق التأسيسي، وقد استطاعت الجمعية اليهودية للاستعمار (أبيكا) والصندوق القومي شراء نحو 1,250 مليون دونم تمثل 80% من إجمالي الأرض المملوكة لليهود (28).

4- السماسرة: وهذه الوسيلة كانت من أخطر الوسائل على الفلاح الفلسطيني، إذ كانت هذه الفئة تتكون من أشخاص عرب سخّروا أنفسهم لخدمة الحركة الصهيونية، لرغبتهم في تحقيق أرباح مادية هائلة على حساب وطنهم وشعبهم، وقد كان هؤلاء السماسرة يعملون في البداية في الخفاء إلا انهم بدأوا مع مرور الوقت يتزايدون ويعملون بشكل أكثر جرأة وقد تنافسوا فيما بينهم في الاطلاع على المناطق المعروضة للبيع لتقديم بيانات بها للحركة الصهيونية، وهي الشاري الرئيسي والذي لديه الاستعداد لأن يبتلع أية أراضٍ معروضة، فلديه الإمكانات والرغبة والاستعداد لذلك.

وقد بلغ خطر هؤلاء السماسرة حداً جعلهم مكروهين بشكل عجيب في المجتمع الفلسطيني، وأصبحوا ملاحقين من قبل الوطنيين في أنحاء الوطن الفلسطيني. وقد كتبت جريدة الجامعة العربية مقالاً بعنوان "عدوى السمسرة" بينت فيه خطر هذه الفئة المتآمرة على مصير شعبها فقالت: "كانت السمسرة في السابق ترتكب في ظلمات الليل البهيم فإصبحت ترتكب في وضح النهار، وكان السماسرة يصطادون الضحايا في المقاهي، وبعض الأماكن غير المطروقة، فأصبحت لهم مكاتب رسمية، فهم يحصلون على رخصة رسمية من الحكومة مقابل أجر معلوم، وتنشر أسماؤهم في الوقائع الفلسطينية التي هي جريدة الحكومة الرسمية "وقالت الجريدة في مطلع المقال أنه من المؤسف أن يستفحل خطر السمسرة إلى درجة خطيرة تنذر الوطن بشر مستطير، فيضطر رجال الأمة المخلصون لتوجيه قدر من جهودهم لهذا الوباء.
وقد انتشرت العدوى بفعل ما تحققه من أرباح سهلة للعاملين في حقلها، ولما تلاقيه من تشجيع الحكومة التي كانت ترى أن هؤلاء يعملون في سبيل تحقيق هدف الانتداب وهو تكوين الوطن القومي لليهود.

لقد بلغ موضوع بيوع الأراضي درجة من الخطورة دفعت الشيخ محمد الطبري مفتي طبريا أن يكتب رسالة لموسى كاظم الحسيني عام 1932 تصف فيها حال البلاد الناجمة عن بيع الأراضي لليهود فقال: سيدي لا تتألموا إذا قلت لكم اذا لم تعالجوا هذا الموقف بمنتهى الحزم والإخلاص، ستأتي وفود العرب بعد عشرين سنة لتبكي على الطلول البالية في هذا القضاء، وهناك يسجل التاريخ على كل مسؤول مسؤوليته" (29).

جهود الحركة الوطنية لمقاومة بيع الارض الفلسطينية
استشعرت الحركة الوطنية الخطر الناجم عن بيع الأرض لليهود بشكل واضح وجلي، وربما أن رسالة الشيخ محمد الطبري مفتي طبريا تدل على هذا التخوف من رجل مسؤول في مكانته، وكذلك ساهمت الصحف العربية في إبراز هذا الخطر وتهديده للوجود الفلسطيني ومستقبله على أرضه، ومن هنا فقد نشأت روح جديدة سرت في جسد الشعب، نشأ معها إدراك ضرورة مواجهة هذا التيار المتآمر الذي يعرض للخطر كل أفراد المجتمع الفلسطيني، وتبلورت هذه الروح وهذا الإدراك في خطوات متعددة.
شكلت سياسة الحركة الوطنية التي دأبت منذ بداياتها إلى استنكار تصرفات الحكومة في عدم وضع سياسة واضحة من شأنها إبقاء الأرض في أيدي الفلاحين وفتح المجال واسعاً أمام الحركة الصهيونية لشراء ما استطاعت من الفلاحين تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية عديدة.

لقد بذلت الحركة الوطنية الفلسطينية جهوداً كبيرة في إبراز خطورة تسرب الأرض إلى اليهود وذلك من خلال خطوات متعددة هي:
 أولاً: الإعلان في الصحف عن السماسرة والبائعين والمشترين:
وقد كان ذلك بهدف التشهير بهم، لأنه أصبح معروفاً أن كل بائع لأرضه لليهود هو مخالف لإرادة الشعب وإرادة الأمة، ومتآمر على وجود ومستقبل الشعب الفلسطيني في أرضه، ونشر أسماء هؤلاء السماسرة كان بقصد الضغط عليهم لدفعهم للابتعاد عن هذا الفعل الشائن، وقد قامت الصحف العربية بشن حملة إعلامية قوية ضدهم (30).
وأخذت الصحف تبرز أخبار التعرض للسماسرة بشكل قوي خاصة عندما يتعرض أحدهم لضرب أو طعن بمديه (31)، وقد تسلم المتهمون بالتعاون مع اليهود والسماسرة رسائل تهديد، وكان ذلك على ما يبدو بمبادرة من مؤتمر الشباب، وتحولت المشاجرات العائلية الناجمة عن بيوع الأراضي وملحقاتها إلى ظاهرة كثيرة الحدوث استدعيت من جرائها الشرطة المرة تلو المرة (32) . وقد قامت جريدة الجامعة العربية الناطقة باسم الحزب العربي الفلسطيني بدور كبير في هذا المجال، وقد وصلت الحملة الإعلامية إلى خارج البلاد، فأدت إلى تدخل بعض الفلسطينيين في المهجر لصالح حملة مناهضة بيوع الأراضي، ومن ذلك أرسل 75 مهاجراً (من قرية بيتونيا) في أمريكا يطلبون من أبناء قريتهم عدم التفريط بأراضي القرية لليهود (33).
وكان من نتائج هجوم الشيوخ على السماسرة كما يذكر د. تيسير جبارة أن أنقذت عشرات الآلاف من الدونمات التي كانت معرضة لخطر الاستيلاء اليهودي عليها، كما أن كثير من الأهالي سجلوا أراضيهم وقفاً ذرياً لمنع الخطر اليهودي (34).

 ثانياً: الدعوة ضد هذه الجريمة في المساجد والكنائس:
وقد ذكر التقرير الذي رفعته حكومة الانتداب إلى عصبة الأمم عام 1935 أن خطباء المساجد قد شنوا حملة على السماسرة وبائعي الأراضي ووصفوهم بأنهم خونة لأمتهم ويستحقون المقاطعة (35)، وقد قاد هذه الحملة المفتي الحاج أمين الحسيني الذي كان مسؤولاً عن الأوقاف الإسلامية، وقد رسخ الحاج أمين اهتمامه لمحاربة بيع الأراضي والسماسرة، وقد حشد لهذه المهمة رجال الدين في فلسطين وخارجها، وتركزت الخطب لتناول هذا الموضوع بإسهاب وبلغة شديدة.
ومن أولئك الذين تصدوا لهذه الظاهرة الشيخ عز الدين القسام الذي خطب في مسجد الاستقلال قائلاً "أيها المؤمنون: أين نخوتكم؟ أين إيمانكم؟ أين هي مروءتكم؟.. إن الصليبية الغربية الإنجليزية، والصهيونية الفاجرة اليهودية، تريد ذبحكم كما ذبحوا الهنود الحمر في أمريكا، تريد إبادتكم أيها المسلمون، حتى يحتلوا أرضكم من الفرات إلى النيل ويأخذوا القدس، ويستولوا على المدينة المنورة ويحرقوا قبر الرسول.. قال تعالى : (قاتلوا الذين بلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) لقد ملأ اليهود بلادكم.. لقد سرقوا أرضكم (36).

وكان يتردد على سيله الظهر، بورين، برقين، الرينة، ونورس، واستخدم مساجد هذه القرى ومراكز التجمع فيها، في الدعوة إلى مقاومة بيوع الأراضي، ومحاربة السمسرة والسماسرة، كما زار قرية سيلة الحارثية عام 1934 وبرفقته الشيخ كامل القصاب والشيخ فرحات السعدي وأعطى درساً دينياً وطنياً دعا فيه إلى محاربة السمسرة وباعة الأراضي لليهود (37).
كما زار عام 1935 عرب الرمل وحثهم على مقاومة الشرطة في مسائل الأرض المتنازع عليها والتي يحاول اليهود الاستيلاء عليها وطردهم منها.
وقد شارك في الحملة الدينية كذلك الكهنة ومن هؤلاء الخوري الياس القنواتي رئيس مؤتمر الكهنة الأرثوذكس العرب فقال في رسالته الدينية. "إن كل من يعمل أو يسمسر على بيع أي جزء من أراضي الوطن لليهود من أبناء الكنيسة.. فإنما باع مع هذا الجزء حرمه وقدسية مهد المسيح وقبره ويعد خارجاً عن المسيحية، مستحقاً لعنة الكنيسة، ويكون مفروزاً ومحروماً وتكون المسيحية منه براء لأن كل من يبيع أرضه لليهود يسهل عليهم تدنيس قبره المقدس الذي حرموا شرف دخوله والتبرك به.. إنني أطالب كل مسيحي أرثوذكسي أن يقاوم جريمة السمسرة التي تؤدي بمقترفها إلى سعير جهنم ولعنة الأجيال، وذلك دفاعاً عن قدسية البلاد وتراثها الديني والقومي " (38).

ثالثاً: رحلات العلماء والمشايخ في قرى فلسطين:
اهتم المجلس الإسلامي الأعلى بقضية بيع الأراضي لليهود، وبذل في سبيل وقفها جهداً كبيراً جداً، ولم يدخر المجلس وسعاً في سبيل تحقيق هدفه الإسلامي والوطني الهام، من هنا فقد تحرك علماء فلسطين بإيعاز من المجلس ، ومن الحماس الديني، في رحلات كانت تجوب القرى تحذر من التفريط بالأرض لليهود "أعداء الله وأعداء الشعب الذين يريدون الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها المسلمين منها. وقد أفلحت هذه الجهود في حمل كثير من سكان القرى الفلسطينية على مراجعة مواقفهم وسياستهم، ومن أمثلة ذلك عندما قام السماسرة بمحاولة شراء أراضي قرية بيت جبرين، واتفق السماسرة مع الأهالي بعد أن أغروهم بالثمن، إلا أن جهود العلماء أوقفت هذه الصفقة، فقد حضر إلى القرية مجموعة من العلماء واجتمعوا بزعماء القرية وشيوخها، وحضوهم على التمسك بالأرض.
وقد قام المفتي بدوره بإرسال وفد آخر من الشخصيات الوطنية بالاضافة إلى العلماء المرموقين، ومنهم الشيخ أحمد النحوي، وعبد الله طهبوب، وطالب مرقة، ومحمد صبري عابدين، واجتمع الوفد مع أهالي قرية بيت جبرين، وتحدث في الاجتماع الشيخ صبري عابدين قائلاً: "لا تحل لهم (أهالي القرية) أن يفرطوا بشبر من الأرض، والا فتكون عاقبتهم الخزي والعار والجلاء عن الديار" (39) وقام سعيد الفرة يتحدث باسم أهالي قرية بيت جبرين، فعاهد الله على ألا يبيع أهل القرية شبراً منها لليهود ولا السماسرة، ثم تعهد شيوخ القرية بذلك أيضاً، وأكدوا أنهم سيحاولون إلغاء الاتفاقية بين السكان والسماسرة.
وقام أحمد حلمي باشا بالإعلان عن أنه على استعداد لإقراض المحتاجين من أهل القرية، وذلك حتى يضع البديل للسكان في حالة وقوعهم تحت طائلة الديون.
وقد قام الشيخ صبري عابدين والشيخ أحمد النحوي، وقد كانا نشيطين في هذا الصدد، بزيارة الظاهرية القريبة من مدينة الخليل، وذلك لأنهما علما أن أربعين الف دونم من أراضي القرية معروضة للبيع، فاجتمع الشيخان مع أهل القرية وألقيا كلمات حماسية أثرت في الحضور،.(40).

وقد اشترك الحاج أمين الحسيني مفتي القدس نفسه في هذه الجهود، فقط طلب من وفد يافاوي العمل على وقف بيوع الأراضي في المنطقة وما حولها، وحثهم على ضرورة التصدي لهذا الامر، لأن الأراضي العربية تقل بمستوى خطير، وهذا يهدد الوجود العربي في البلاد، فأعلن الزائرون أمامه وقف قراهم وقفاً ذرياً وذلك لأن أراضي الوقف لا تباع ولا يتم التصرف بها لأحد، وقد فعلوا ذلك حتى لا تباع الأراضي لليهود (41)، وقد قام الحاج أمين الحسيني أيضاً بزيارات لمنطقة الشمال بهدف محاربة بيع الأراضي والتحريض على السماسرة، وقد زار مدن حيفا، ونابلس، والناصرة، وعرب الزبيدات، وعرب الجوارنة وصفد والحولة في شهر فبراير من عام 1935، وقد تم استقباله في هذه المناطق استقبالاً جيداً.

وقد ألقى خطبة في مدينة صفد شملت هذه الخطبة الأفكار الرئيسة التي توجت حملته فقال: "إنه يظهر من خلال الظروف الراهنة، ومن مثل هذه الاجتماعات، أنكم مخلصون لبلدكم، ولأراضيكم فلا تيأسوا. الرجل الجبان هو الذي يهزم بسرعة.
خلال زيارتي هنا لاحظت شعوراً من الإحباط، ولكن تذكروا أن أجدادنا ساعدوا بعضهم وتغلبوا على عقبات ومشاكل كبيرة.  إن سير جون هوب سمبسون وهو خبير زراعي قال: إن كل عائلة يجب أن تملك 130 دونم على الأقل، لكن نتيجة بيوع الأراضي، أصبحت كل عائلة لا تملك أكثر من 58 دونم. لذلك لأنه ليس كافياً أن نتقدم بطلب وقف بيع الأرض فقط.. إنني أنصحكم بعدم التعامل مع السماسرة، وأن تمنعوهم من الاطلاع على أرضكم وعليكم مقاطعتهم "ثم أضاف": لقد علمت بأنكم عاملتم الملاك الكبار في الحولة بأسلوب غير مقبول، وأنكم لم تدفعوا لهم مستحقاتهم، إن هذه المعاملة هي السبب في قيام هؤلاء ببيع أراضيهم، أنا أقول لكم لا تعطو حجة لأصحاب الأراضي لبيعها لذلك إدفعوا لهم وعاملوهم معاملة طيبة (42).  وقد تم وقف بيع 5000 دونم في مدينة رام الله بعد ان تدخل المجلس الإسلامي الأعلى (43).

رابعاً: إنشاء صناديق وشركات لشراء الأراضي العربية:
قامت الحركة الوطنية في مواجهة بيوع الأراضي، لإيجاد البديل المناسب إذ أن الحركة وجدت أن النصح والإرشاد والتوضيح الذي تقوم به من خلال الجرائد والمجلات والصحف والخطب في المساجد، وزيارات العلماء والمشايخ في ذاتها غير كافية لصد أولئك الذين اضطرتهم الظروف للبيع ولا يجد من يبيع له إلا الصناديق اليهودية أو السماسرة الذين يحولون أرضه لليهود من هنا فقد أنشئت عدة صناديق وشركات منها:
1- صندوق الأمة: حيث أنشئ هذا الصندوق على أساس التبرعات لشراء الأراضي المعروضة للبيع. وقد سبقه "مشروع القرش" (44) الذي نادت به الحركة الوطنية لتوفير الأموال اللازمة لشراء الأراضي المعروضة لمصلحة المجلس الإسلامي الأعلى. وقد قام الصندوق ببذل جهد كبير في إنقاذ كثير من أراضي البلاد حيث اشترى بعضها بالمال وأنقذ بعضها بإجراءات إدارية.

2- شركة البطيحة: وقد تأسست هذه الشركة للمحافظة على أراضي البطيحة التي تبلغ مساحتها ثلاثمائة ألف دونم، والتي تقع على الساحل الشمالي الشرقي من بحيرة طبريا. وتعد أراضي هذه المنطقة من أفضل الأراضي المروية التي تعتمد على مياه البحيرة والأمطار. وقد بذل المجلس الإسلامي الأعلى مبالغ كبيرة في سبيل إنقاذ الأراضي المعروضة للبيع.
ومن هذه الأراضي أراضي قرية دير عمر وزيتا التي دفع المجلس ثمناً لأراضيها مبلغ 54,000 جنيه فلسطيني، وكذلك أراضي المشاع في قرية عقيل والطيرة (45).

3- الشركة العربية لإنقاذ الأراضي: وقد تأسست هذه الشركة عام 1932، وتهدف إلى شراء الأراضي واستثمارها واسترهانها ورهنها وتأجيرها وبيعها (للعرب)، وقد بلغ رأس مال الشركة عشرة آلاف جنيه فلسطيني. وقد ساهم في هذه الشركة صندوق الأمة، وفتحت المساهمة للسكان العرب في فلسطين، وقد بلغت اسهمها عشرة آلاف سهم أي أن كل سهم يكلف جنيهاً واحداً (46). وكان المفتي أمين الحسيني أحياناً أخرى يقوم بشراء الأراضي المهددة بالبيع لليهود باسم المجلس الإسلامي الأعلى ويسجلها وقفاً إسلامياً كي يمنع اليهود من الدخول إليها (47).

خامسا: الاجتماعات والمؤتمرات:
لعب المجلس الإسلامي الأعلى في هذا الجانب دوراً ملحوظاً، وقد نتج عن هذا الدور العديد من المؤتمرات التي عقدت على الأراضي الفلسطينية، وقد حضر هذه المؤتمرات علماء من فلسطين، ومن خارج فلسطين بالإضافة إلى لفيف من الشخصيات الإسلامية، ورجالات المدن والقرى.
وكان المفتي يجمع العلماء كل سنة للتداول معهم بشأن حث الناس على التمسك بالأرض ومحاربة السماسرة.. واعترف الإنجليز أن المجلس الإسلامي الأعلى هو العقبة الرئيسة أمام اليهود لشراء أراضٍ في فلسطين (48).

وقد كان لهذه المؤتمرات نتائج إيجابية على العديد من المستويات النفسية والمعنوية بل والمادية ايضاً إذ استطاعت هذه المؤتمرات أن تحقق نتائج إيجابية في مواقف الناس عامة عن موضوع بيوع الأراضي، ومن هذه المؤتمرات:

أولاً: مؤتمر حماية الأراضي المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك والقدس:
عقد هذا المؤتمر في 28/12/1934م في كلية روضة المعارف، بناءً على طلب مفتي القدس الحاج أمين الحسيني بهدف حماية الأراضي المحيطة بالقدس والمسجد الأقصى، وقد حضر هذا المؤتمر معظم مخاتير القرى المحيطة بالقدس. وبرز في هذا المؤتمر دور الشيخ صبري عابدين خطيب المسجد الأقصى. الذي حث الناس على الاحتفاظ بأراضيهم وعدم التخلي عنها.
وقد شكل هذا المؤتمر لجنة تحضيرية لمؤتمر علماء فلسطين، الذي قرروا الدعوة له وتقرر دعوة العلماء من خلال هذه اللجنة وطلب منهم الحضور إلى القدس بتاريخ 25/1/1935 (49).
كذلك ناشد الشيخ صبري عابدين إمام المسجد الأقصى علماء الامة، من خلال الرسائل لإصدار فتاوى شرعية بتحريم بيع الأرض لليهود، وتجاوب مع ندائه هذا العلامة محمد رشيد رضا، والإمام الشيعي كاشف الغطاء الذي أصدر فتوى تقول: "هل يشك أحد في أن البيع والمساعدة عليه، السعي والسمسرة فيه.. محاربة لله ولرسوله فلا أقل.. من المقاطعة البليغة وإخراجهم من حظيرة الإسلام وحوزة المسلمين وعدهم في عداد المرتدين" (50).

ثانياً: مؤتمر علماء فلسطين:
وقد عقد هذا المؤتمر لإعطاء الحملة الإعلامية التي بدأها المجلس الأعلى والحركة الوطنية بشكل عام والمتعلقة ببيع الأرض زخماً كبيراً وبعداً دينياً، ويبدو أن المجلس قد خلص إلى نتيجة هامة وهي، "تأثير العلماء في إيقاف بيوع الأراضي كان واضحاً"، من هنا أراد أن يؤكد على هذا العنصر باعطاءه دفعة قوية وإبراز هذا النشاط الإسلامي لكل فلسطيني في كل مكان وإعطاء الفتاوى التي أطلقها العلماء أثناء تجوالهم في القرى والمدن تأكيداً من جمهور العلماء سواء في الداخل أو في الخارج، وذلك بإصدار فتوى تحرم بيع الأراضي لليهود.
من هنا عقد المؤتمر في مدينة القدس 26/1/1935، وحضره حوالي 400 مندوب من المفتين والقضاة والمدرسين والخطباء والأئمة والوعاظ (51)، وقد كان على رأس المجتمعين محمد أمين الحسيني مفتي مدينة القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، ومحمد أمين العوري أمين فتوى القدس وعضو محكمة الاستئناف الشرعية، وحسن أبو السعود مفتي الشافعية ومفتي المحاكم الشرعية، ومحمد تفاحة الحسني مفتي مدينة نابلس، ومحمد أسعد قدورة مفتي صفد وقاضيها، ومحمد طاهر الطبري مفتي طبريا وقاضيها، ومحمد أديب الخالدي مفتي مدينة جنين، ومحمد سليم بسيسو مفتي مدينة بئر السبع، وإسماعيل الحافظ رئيس محكمة الاستئناف الشرعية (52).
 وبحث المؤتمرون موضوع بيوع الأراضي، والأخطار الناجمة عنها، وضرورة إقناع الناس بتوقف هذه السياسة الخطيرة وإيضاح عواقبها للناس، كما ناقشوا تأثير السماسرة وموقف الشرع من هؤلاء الذين يتآمرون على ملكية أرض فلسطين وتسريب أراضي الإسلامي لليهود.

وقد ألقى  الحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المؤتمر كلمة وجهها للحضور وللعالم الإسلامي كله قال فيها: "ولنا كلمة إلى أخواننا في الأقطار العربية الإسلامية.. وهي إذا ظلوا ينظرون إلى هذه المأساة، مأساة الأندلس الأخرى غير مبالين ولا مكترثين فان موقفهم هذا لا يرضي الله ورسوله ولا يرضي تاريخ الإسلام الذي آخى بين المسلمين.. وليعلموا أن المصيبة في هذه البلاد التي أوقعها سوء حظها بين براثن الطامعين، سوف لا تنحصر فيها بل تتعداها إلى الأقطار الإسلامية الأخرى (53).

 وكان من قرارات المؤتمر ما يلي:
أولاً: إصدار فتوى دينية تحرم بيع الأرض في فلسطين لليهود، وتحرم السمسرة على هذا البيع وقالت الفتوى "بعد النظر في الفتاوى التي أصدرها المفتون وعلماء المسلمين في العراق ومصر والهند وسوريا وفلسطين والأقطار الإسلامية الأخرى التي أجمعت على تحريم بيع الأرض في فلسطين، وتحريم السمسرة على بيع الأرض، والتوسط فيه وتسهيل أمره، بأي شكل، وبأي صورة وتحريم الرضى بذلك كله والسكوت عنه، وإن ذلك كله أصبح بالنسبة لكل فلسطيني صادراً من عالم بنتيجته راضٍ بها، فهو مستلزم الكفر والارتداد عن دين الإسلام باعتقاد حله" (54).
وأضافت الفتوى بعد النظر والبحث في ذلك كله وتأييد ما جاء في الفتاوى الشريفة والاتفاق على أن البائع والسمسار والمتوسط في الأراضي بفلسطين لليهود والمسهل له هو:
أولاً: عامل ومظاهر على إخراج المسلمين من ديارهم.

ثانياً: مانع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه وساع في خرابها.

ثالثاً: متخذ اليهود أولياء لأن عمله يعد مساعدة ونصراً لهم على المسلمين

.رابعاً: مؤذٍ لله ورسوله وللمؤمنين.

خامساً: خائن لله ولرسوله وللأمانة، وعليه "إن بائع الارض لليهود في فلسطين سواء كان ذلك مباشرة أو بالوساطة فان السمسار والمتوسط في هذا البيع والمسهل له والمساعد عليه بأي شكل.. كل أولئك ينبغي ألا يصلي عليهم ولا يدفنوا في مقابر المسلمين ويجب نبذهم ومقاطعتهم واحتقار شأنهم وعدم التودد اليهم والتقرب منهم ولو كانوا آباءاً وأبناءً وأخواناً وأزواجاً (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم أو أخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (55).

ثانياً: مطالبة حكومة الانتداب بوقف الهجرة ومنع بيع الأراضي للمهاجرين الصهاينة، وإصدار قانون يحمي المزارعين الصغار من جشع الملاك الكبار والأغنياء.

ثالثاً: توجيه نداء إلى ملوك العرب والمسلمين وأمرائهم وزعمائهم حول المخاطر التي تحيط بالفلسطينيين  وأرضهم (57).

رابعاً: تأسيس الشركات الوطنية ومساعدة المشاريع الاقتصادية وحض الأهالي على شراء مصنوعاتهم.

خامساً: مطالبة المندوب السامي بالموافقة لكل من يرغب في تسجيل أرضه وقفاً ذرياً أو خيرياً.

سادساً: السماح للمغتربين الفلسطينيين بالعودة إلى فلسطين من دون وضع عراقيل أثناء عودتهم لوطنهم (58).

سابعاً: تشكيل جمعية مركزية في القدس تدعى جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ترأس هذه الجمعية الحاج أمين الحسيني وعضوية السادة:
1- الشيخ إسماعيل أفندي الحافظ                       رئيس محكمة الاستئناف الشرعية
2- الشيخ أمين أفـندي الـعوري                          عضو محكمة الاستئناف الشرعية
3- الشيخ توفيق أفـندي الـطيب                          عضو محكمة الاستئناف الشرعية
4- الشيخ حسن أفندي أبو السعود                       مفـتش الـمحاكم الشــرعـية
5- الشيخ مسعود أفندي  الشريف                       الـمدرس بالمسـجد الأقــصى
6- الشيخ سعيد أفندي   الخـطيب                       الـخــطيب بالمسـجد  الأقصى
7- الشيخ سعد الدين أفندي الخـطيب                   الـخــطيب بالمسـجد  الأقصى
8- الشيخ محمد صبري أفندي عابدين                 المدرس بالحرم الإبراهيمي والواعظ العام
9- الشيخ نــسيب أفـندي الـبيطار                      رئيس كــتاب  محكمة القدس الشرعية

وقد واكبت هذا المؤتمر حملة إعلامية كبيرة إذ بدأت الصحف وأجهزة الإعلام الأخرى في فلسطين تمدح المؤتمر، وتردد الفتوى التي أصدرها، وذلك كي يسمعها القاصي والداني من أبناء الشعب الفلسطيني (58)، واستغلالاً لهذا المؤتمر وهذه الحملة فقد قامت مجموعات من العلماء بالتحرك والتجوال في كل القرى الفلسطينية، وألقوا الخطب وحثوا الناس على التمسك بالأرض وعدم التفريط في شبر واحد من الأرض المقدسة.
وتحرك العلماء المسلمون في الأقطار العربية المجاورة، وحثوا الناس على تأييد الشعب الفلسطيني في كفاحه والدفاع عن أرضه (59).

ثالثاً: مؤتمر علماء فلسطين الثاني:
وقد عقد هذا المؤتمر في نفس مكان المؤتمر السابق ولكن بالنسبة للتوقيت فقد عقد قبل شهرين من قيام الثورة والإضراب المشهور عام 1936، فقد عقد يوم 14/2/1936 ولكن هذا المؤتمر لم يجد التجاوب الإعلامي الذي حدث للمؤتمر الأول، ويعود ذلك ربما إلى عدد الحاضرين الأقل، ثم إحساس كثير من العلماء أن المرحلة تحتاج إلى فعل أكثر من كلام ومؤتمرات وإلى التوتر الذي ساد أوساط الحركة الوطنية ثم البلاد كلها آنذاك.
بحث المؤتمر عدداً من القضايا منها:
1- حظر الهجرة اليهودية.
2-منع بيع الأرض لليهود.
3-   تقوية فرق الكشافة الفلسطينية التي نظر إليها المجتمعون على أنها نواة الجيش الفلسطيني، وحدث هذا بعد تعرض كشافة أبي عبيدة بن الجراح للهجوم عليها لأنها كانت تحرس الشاطئ الفلسطيني ضد الهجرة اليهودية.

وقد ذكر العلماء في مؤتمرهم الثاني أنه نظراً لاستمرارية الهجرة دون توقف فإن مؤتمر   العلماء الثاني يقرر ضرورة إعادة المطالبة بإيقاف الهجرة اليهودية.
كما قرر المطالبة بمنع بيع الأرض وضرورة دعم جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وطالب المؤتمرون وضع رقابة على دور السينما والمسارح وعلى جميع أماكن اللهو بحيث لا يعرض فيها ما يتنافى مع دين أهل البلاد وتقاليدهم وعاداتهم (60).

رابعاً: مؤتمر بدو بئر السبع:
قد اجتمع 50  من مشايخ قبائل بئر السبع يوم 16/3/1936 وناقشوا الأمور الآتية:
1- منع بيوع الأراضي.
2-  لدعاية التي تتحدث عن استيطان اليهود في وادي عربة.
وبعد أن تمت المناقشة قرروا الآتي:
1- إقامة جمعية تحت اسم جمعية شيوخ بئر السبع.
2- شراء الأراضي التي يعرضها البدو للبيع، وقد تم جمع ثمانين جنيه وضعت مع فريح أبومدين أمين صندوق الجمعية.
3- الاحتجاج ضد المستوطنات اليهودية في وادي عربة (61).

خاتمة
لقد أسفرت نشاطات الحركة الوطنية عن نجاحات واسعة ونتائج طيبة إذ برز في أوساط الشعب الفلسطيني تيار مشبع بالحفاظ على الأرض وعدم التخلي عنها لليهود بأي ثمن كان، بل وكان لهذه الحملة آثار إيجابية على المرحلة التي تحققت فيما بعد إذ بلغت كمية ما استولى عليه اليهود حتى يوم 15 مايو 1948 وهو يوم انتهاء الانتداب نحو مليوني دونم أي حوالي 6% من مجموع أراضي فلسطين.
وكان مجموع ما تسرب من أيدي عرب فلسطين إلى اليهود سواء عن طريق الشراء المباشر أو السماسرة لا يزيد عن 250 ألف دونم، وقد كان يحدث ذلك نتيجة لظروف قاهرة أما باقي المليونين فقد وصل إلىاليهود كالتالي (62):
1- 650,000 دونم استولى عليها اليهود خلال حقبة طويلة من الأراضي الأميرية بحجة إنعاش الزراعة وإنشاء مدارس زراعية، وكانت هذه في العهد العثماني، أي في الوقت الذي لم يظهر فيه أي أثر أو حديث عن موضوع الوطن القومي اليهودي.

  2- 300,000 دونم منحتها حكومة الانتداب لليهود دون مقابل.

3- 200,000 دونم منحتها حكومة الانتداب لقاء أجرة رسمية.

4- 600,000 اشتراها اليهود من أصحاب الامتيازات من اللبنانيين والسوريين الذين كانوا يملكون أراضٍ في فلسطين مثل أراضي مرج ابن عامر وأراضي الحولة، وأراضي وادي الحوارث.

أما بالنسبة للسماسرة فقد طوردوا ولوحقوا وقتلوا ولم ينج منهم كما يقول الحاج أمين الحسيني إلا من فر من البلاد ولجأ إلى أقطار أخرى.
وبذلك فإن نشاط الحركة الوطنية في مقاومة بيع الأرض رغم أنه لم يحط بالمشكلة فقد أتى ثماراً كبيرة في ضوء الهجمة الشرسة للحركة الصهيونية بأدواتها المتعددة وإغراءاتها المادية الكبيرة، وفي ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي عاناها الشعب الفلسطيني والفقر المدفع الذي عشش في أركان الوطن كله نتيجة للسياسات التي اتبعتها الحكومة البريطانية والتي استهدفت وضع البلاد في ظروف تضمن انشاء الوطن القومي اليهودي.

ان بيع 250 ألف دونم بواسطة كبار وصغار الملاك رغم أنه سيء إلا انه ليس مستهجناً في فترة زادت عن الثلاثين عاماً، أي منذ الاحتلال البريطاني وحتى انتهاء الانتداب، وربما كان استخدام سلاح الدين الذي كان له تأثير مباشر على نفوس المجتمع الفلسطيني الذي غلب عليه طابع الأمية والتدين كان له أثر جيد على تجاوب الناس مع الحملة التي قادها في معظم الوقت العلماء والقضاة وأهل الفتوى.

بل يمكن القول أن هذه النشاطات أججت نفوس أبناء المجتمع الفلسطيني ضد استمرار تنامي ظاهرة "الوطن القومي اليهودي"، وبالتالي فقد أوصلت المجتمع إلى قناعة بضرورة الانتقال من مرحلة العمل المبني على الدبلوماسية والاحتجاجات إلى استخدام القوة للتصدي للمؤامرة التي استهدفت الأرض الفلسطينية والإنسان الفلسطيني على حد سواء وبالتالي لم تمض مدة وجيزة حتى قامت ثورة 1936 والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً على نطاق واسع.

المراجع
 
1.  الجامعة الإسلامية، دراسات تاريخية، غزة 1968، بدون ناشر، ص 87.
2.  عاطف عدوان، محاضر في تاريخ فلسطين الحديث، (غزة 1987، بدون ناشر) ص 36.
3.  عيسى السفري، فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، يافا 1937، ص 21.
4.  Shaw commission Report C M D 3530, 1930 P 114.
5. دراسات تاريخية، المرجع السابق، ص 88.
6. الموسوعة السياسية: إشراف د. عبد الوهاب الكيالي، كامل زهيري، (بيروت- المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى عام 1974)، ص 661.
7. د. عاطف عدوان، المرجع السابق، ص 45.
8. دراسات تاريخية، مرجع سبق ذكره، ص 125.
9. المرجع السابق، ص 123-126.
10. المرجع السابق.
11.عزه دروزه، حول الحركة العربية الحديثة، الجزء الثالث، (المكتبة المصرية- صيدا، 1951)، ص 91.
12. بيان نويهض الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، (بيروت- مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الأولى) ص 281.
13. Report by H M G to league of Nation on Palestine & Trans Jordan 1935 P 5.
14. محمد عزة دروزه، مرجع سبق ذكره، ص 92.
15.  د. تيسير جبارة، دراسات في تاريخ فلسطين الحديث، (القدس، الطبعة الثانية، 1986) ص 108.
16.  جريدة فلسطين 24/8/1930.
17. John Hope Simpson Report C M D 3683 p 142.
18.  أنظر عزه دروزه، مرجع سبق ذكره، ص 90-91، وكذلك بيان الحوت، مرجع سبق ذكره، ص 282.
19. د. عاطف عدوان، مرجع سبق ذكره، ص 42.
20. د. تيسير جبارة، مرجع سبق ذكره، ص 109.
21.  د. عاطف عدوان، مرجع سبق ذكره، ص 42.
22.  دراسات تاريخية، مرجع سبق ذكره، ص 127.
23.   Letter Form Musa Alami to HC 1933 Co 733/257.61454 p 74.
24.  غسان كنفاني، ثورة 36-39 في فلسطين، وكالة أبو عرفة للصحافة، القدس، بدون ناشر أو رقم للطبعة، ص 31.
25. المرجع السابق ، ص 34.
26.   Yahuda Haim, Zionist attitudes toward palestinean Arab 1936-1939.
 Ph D Georgtow University 1975, p311.          
27.  دراسات تاريخية، مرجع سبق ذكره، ص 94.
28.  المرجع السابق، ص 99.
29. بيان نويهض الحوت، مرجع سبق ذكره، ص 383.
30.  Palestine Report 1935,p17.
31.  بيان الحوت، مرجع سبق ذكره، ص 293.
32.  تسفي البيلغ، الثورة العربية الفلسطينية 1936-1939، مركز الدراسات العربية التابغ لمنظمة جبعات حبيبة، مطبعة الشرق التعاونية، القدس، 1978، ص 22-23.
33. جريدة الجامعة العربية، 23/1/1935.
34. د. تيسير جبارة، مرجع سبق ذكره، ص 114.
35.   Palestine Report; 1935,p17
36. سميح حمودة، الوعي والثورة، دراسة في حياة الشيخ عز الدين، جمعية الدراسات العربية، المطبعة العربية الحديثة، الطبعة الأولى، 1985، ص 46.
37.  المرجع السابق، ص 50.
38.  بيان الحوت، مرجع سبق ذكره، الفتاوي الدينية بشأن تحريم بيع الأرض لليهود صادرة عن رجال الدين 1935، وثيقة رقم 19، ص 740.
39. جريدة الجامعة العربية، 22/1/1935.
40.  المصدر نفسه، 30/4/1935.
41. المصدر نفسه، 22/1/1935.
42. Foreign office papers F O 371/18957-83590,p48.
43. Palestine Report 1935, p17.
44. محمد أمين الحسين، حقائق عن قضية فلسطين، إصدار الهيئة العربية العليا، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، الطبعة الثالثة 1957، ص 11.
45.   بيان نويهض الحوت، مرجع سبق ذكره، ص 283.
46. جريدة الجامعة العربية، 18/11/1932.
47.  د. تيسير جبارة. مرجع سبق ذكره، ص 112.
48.   المرجع السابق، ص 112.
49. د. تيسير جبارة، مرجع سبق ذكره، ص 112، وانظر جريدة الجامعة العربية بتاريخ 13/1/1935، عدد (1517). وانظر كذلك، جمال ستوم، وضاعت بلادي، (غزة، مطابع الدفاع 1992)، ص  218.
50.  بيان نويهض الحوت، مرجع سبق ذكره، انظر الوثيقة رقم 19، ص 741.
من الجدير بالذكر أن العلامة محمد رشيد رضا قد قال في فتواه أن من يبيع شيئاً من أرض فلسطين.. فهو كمن يبيعهم المسجد الأقصى. انظر نفس الوثيقة، ص 741.
51.  عوني جدوع العبيدي، صفحا2ت من حياة الحاج أمين الحسيني، مكتبة المنار، الاردن، الطبعة الأولى 1985، ص 67.
52. بيان نويهض الحوت، مرجع سبق ذكره، جدول رقم 39، ص 880-881.
53. المرجع السابق، ص 295.
54. عوني جدوع العبيدي، مصدر سبق ذكره، ص 67.
55. بيان نويهض الحوت، رجع سبق ذكره، ص 741.
56. عوني جدوع العبيدي، مرجع سبق ذكره، ص 67-68.
57. ناجي علوش، مرجع سبق ذكره، ص 105.
58. د. تيسير جبارة، مرجع سبق ذكره، ص 113، 114،
وانظر كذلك عيسى السفري، مرجع سبق ذكره، ص230.
59. د. تيسير جبارة، مرجع سبق ذكره، ص 114.
60. عيسى السفري، مرجع سبق ذكره، ص 230-231.
61. Criminal Investigation Department, P.A.S NO 6/36. 1936 FO 371/20018-p56
62.  محمد أمين الحسيني، مرجع سبق ذكره، ص 12.

 
 مـعـلـومـات عـامــة
 مـلـفـــات وطـنـيــــة
 قـضـايــا الصـراع
 تـاريــخ فـلسـطـيــن
 الــقـــدس
 الـنــظــام الـســيـاسـي
 قوانـيـن وتـشـريـعـات
 الــسـكـان
 طوائف ومذاهب وجاليات
 الــصــحــــة
 الـتــعـلـيـــم
 شــؤون اجـتـمـاعـيـــة
 سـيـاحــة
 اقـتـصــاد
 الإســكـان
 عـمــل وعـمّـال
 زراعـــة
 نـقــل واتـصـالات
 جـغــرافـيــــا
 الـمــيــــاه
 الــبــيــئـــة
 ثــقــافـــة
 إعـــلام
 ريــاضـــة
 خـدمــات عـامــة
 شـــؤون إسـرائـيـلـيــة
 مـنـظـمـات غـيـر حـكـومـيـة
 وثــائــــق
 تـقــاريــر