عربي | Eng
مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا
Twitter اضفنا الى المفضلة، او اضغط Ctrl+D اجعلنا صفحة البداية
|الرئيسية|من نحن|اتصل بنا|


Bookmark and Share

إميل حبيبي وتجربة القصة القصيرة

نعرف الآن أن تجربة الكاتب الراحل إميل حبيبي في مجال القصة القصيرة تعود إلى بدايات قديمة تتعلق بنضجه ووعيه السياسي معاً، وأن القصص المنشورة ضمن الأعمال الكاملة "الأولى"(1) لا تعبر إلا عن جانب مبتسر، فأغلب قصصه فٌقِد كما يشير في مقابلة معه،(2) ويستفاد من هذه المقابلة أيضاً أنه سبق ونشر مجموعة قصص في مجلة "المهماز" التي كان يرأس تحريرها عام 1946، كما نشر قصة "لا حيدة في جهنم"(3) في مجلة "الطريق" عام 1948.
وفي تلك الطبعة لم ينشر إلا ثلاث قصص قصيرة هي: "بوابة مندلباوم" المنشورة عام 1954 و"النورية" المنشورة عام 1963، و"مرثية السلطعون" التي نشرت بعد عام 1967 كما تحوي أيضاً تمثيلية من فصل واحد بعنوان "قدر الدنيا" سبق ونشرت عام 1962، ونحن بهذا الكم الضئيل نسبياً لا نحاول أن نقف على تجربة إميل حبيبي في مجال القصة القصيرة وتعرف البدايات التي اندرجت في تطور مسيرته الأدبية بقدر ما يهمنا رصد الاتجاهات العامة التي حكمت تجربته الإبداعية منذ بدايتها وتأكيد الدور الريادي الذي لعبه القاص في هذا المجال.
يشير "فخري صالح" في تقديمه لكتاب "مختارات من القصة الفلسطينية"(4) أن كتاب القصة في الضفة الغربية وغزة قد استفادوا من منجزات قصاصي الأرض المحتلة سنة 1948: "إميل حبيبي، محمد نفاع، محمد علي طه" ويؤكد على الدور الكبير الذي لعبه القاص والروائي إميل حبيبي في هذا المجال.
كما يكتب "نبيه قاسم" في البيادر(5)، عن الحركة الأدبية في الأرض المحتلة فينقل أن بعض مثقفينا، من كتاب وشعراء مخضرمين قد عايشوا حركتنا الثقافية الفلسطينية قبل عام 1948، وكان لهم تأثير كبير على حركتنا الثقافية الحالية، ويذكر من الأعمال القصصية للكاتب إميل حبيبي "بوابة مندلباوم" و"الفقراء أو أبرهة الأشرم" المنشورتين في مجلة "الجديد" عددي آذار وتموز عام 1953.
في قصص إميل حبيبي نعود إلى هاجس الكاتب الأساسي ـ المسألة الوطنية ـ والتي تتبدى في تجليات مختلفة إنما هي بالأساس تعكس تجربة الكاتب والوطن، الاحتلال والتشبث بالأرض، إلغاء الوجود والتأكيد على الحياة، وهم الوطن يندغم بالتجربة السياسية للكاتب، وهذا ما يعطي للمستوى النظري حضوراً في كل نتاجه، يطغى على الجانب الحياتي والهم المعاشي للإنسان. ولكن هذا الهم النظري لا يلبث أن يصب في مجاري الحياة وأخاديدها، فها هو في "بوابة مندلباوم" يعود بنا إلى تعريف الوطن في وعي الجدة ـ المواطن العادي الأمي ـ والذي لا يعرف أكثر من تجربته في الحياة فيتبدى الوطن من خلال أشيائها هي واهتماماتها "أهو نداء بائعة اللبن في الصباح على لبنها، أو رنين جرس بائع الكاز، أو سعال الزوج المصدور، وليالي زفاف أولادها" ص 209.
فالوطن يحمل وعي الجدة أو ما يسمى الذاكرة، وللذاكرة في الأدب الفلسطيني حضور متميز يرتبط بإرادة البقاء والتشبث بكل الخيوط التي تصل الإنسان بالوطن، لذا نجد الكاتب في قصة "النورية" يعود ليلتقط عنصر الذاكرة ـ الوعي الفلسطيني ـ ويسرح بها بعد ثلاثين عاماً ليجمع ما انقطع من مسار تاريخي في حياة الناس العاديين.

والحدث في القصة الأولى يعتمد على اللقطة الذكية والموافقة في دحض واقع الاحتلال، فالجدة، بعد أن جمعت شتات أشيائها، وذكرياتها، تقرر أن تجتاز البوابة وتعبر إلى الطرف الآخر من مدينة القدس حيث أقرباؤها. وهذا العمل يشكل موقفاً لدى سلطات الاحتلال "إن من يخرج لا يعود" لكن الطفلة الصغيرة، أنى لها أن تستوعب هكذا إرادة أو قرارات، لذلك نجدها تفلت من جموع المودعين وتعبر البوابة تلحق بجدتها في الطرف الآخر، ثم تعود. هذا الفعل فعل الطفلة يشكل خرقاً وتحدياً لإرادة سلطات الاحتلال، كما أربك كل رموز السلطة المتواجدة، من رجل الجمارك، إلى الشرطي المكلف بالحراسة إلى الجندي الحاسر الرأس، وقد نجح الكاتب في خلق التوازن بين الحدث والدلالات السياسية التي تشي بموقفه وهذا ما يشكل أحد المفاصل الأساسية لأدب إميل حبيبي والذي تجلى فيما بعد "بالسداسية" أو "المتشائل" وكان أكثر وضوحاً في مسرحيته "لُكع بن لُكع" بينما في القصة الثانية "النورية" نجد الحدث يقوم على شكل آخر. إنه استحضار الشخصية الشعبية والتحرك بها في مجال ينوس بين المعطيات التراثية وبين الدلالات الحاضرة والمعاصرة في الهم السياسي والقضية الوطنية. هكذا كان تعامله مع "النورية" و"الدب الراقص"، و"الكركوز" أو صندوق الفرجة في مسرحيته "لكع بن لكع".

 فالنورية، لا تعود في قصة إميل حبيبي مع أبيها صاحب الدب ولا مع الدب، بل تأتي مجرد حضور يثير في وعي أهل الحي تلك الإشكالات القديمة التي تعود بالذاكرة إلى الدب الذي يطوف مع صاحبه في القرى يعرض حركات نمطية معينة، ومع هذه العودة يتم استحضار الماضي بعلاقاته وطموحات الناس كي نرتد منه إلى الواقع ـ المأساة من خلال الأرض: "هل بقي لك وطن يا حلاق العقول؟ ماذا تحلقون في بلادكم هذه، شعور الناس أم جذورهم؟ الفلافل أرسخ جذراً منكم، فلقد دفنت حكم الأتراك وحكم الإنجليز، وعمرت بعدها" ص 224.
وهنا نكتشف أن النورية ليست صاحبة الدب الراقص، بقدر ما هي الذاكرة المفقودة، يستحثها الكاتب في نماذج مهشمة ومكسرة انقطعت عن ماضيها وغير قابلة للتطور، فتطلب منهم النورية، أن يحفظوا الماضي في أولادهم، فربما يستطيعون هم أن يعيشوا للمستقبل.
وهذا، يمثل أيضاً أحد المفاصل الأساسية لأدب إميل حبيبي يعتمد استحضار الشخصية الشعبية كمظهر فانتازي يمكنه من عرض المشهد ودلالاته في آن معاً، ويمتد إلى استحضار اللغة الشعبية في جذورها التراثية ـ لغة المقامات والجاحظ ـ والتي تعتبر أقرب وصولاً للحس الشعبي بشكل عام.

بينما نرى في مرثية السلطعون تطوراً تقنياً في القصة، بل أستطيع أن أعتبرها إحدى التجارب أو البروفات لكتابة قصة طويلة، فهي من حيث البنية تعتمد الشكل الدائري من القص، تتعدد البدايات والنهاية واحدة، إلا أنه بالأساس مستمد من "ألف ليلة وليلة"، دائماً ننتهي بموت "المرحوم حريز اليقظان"، ثم نعود إلى نقطة ما من حياته، موقف، فكرة، لا تلبث أن تقودنا إلى موته ثانية، ذات النهاية، أستطيع القول أن هذا الشكل كان الأساس الذي انطلق منه الكاتب في أعماله "السداسية" و"المتشائل" إذ تعتمد ذات الأسلوب في القص الدائري، والكاتب لا يخفي تأثره بالتراث والحكاية وخصوصاً "ألف ليلة وليلة"(6) ليس هذا فقط بل إن هذه القصة تحمل الوشم الأساسي لكل أدب إميل حبيبي وكتاباته اللاحقة، إنه الأدب الساخر. فالمأساة أقوى من قدرة الذاكرة على التحمل وبالتالي السخرية هي شكل التعبير الأنسب عن مرارة الواقع.
فالبطل شخصية مهزومة وإن كانت تنمو في القصة ونحن نتابعها منذ أيام الدراسة وفي مراحل الحياة المتقدمة إلا أنها دوماً محكومة بالعجز وعقدة الخوف من أي فعل أو موقف أو رأي، والكاتب بسخريته من هذه الشخصية يقدم إدانة لعقلية وممارسات الإنسان الذي ارتبط إلى حد ما بهزيمة حزيران والذي مات بلا موقف. كما أن الكاتب يؤكد على موت "حريز اليقظان" ليقول لنا أن لا حيادية في الحياة وبالتالي هو يقدم لنا موت الشخصية المهزومة في مقابل بقاء الناس الصامدين والذين أخذوا تعبيراتهم في المقاومة المسلحة، أو الحزب في الداخل، وهكذا فالكاتب يستحضر الواقع الاجتماعي بتناقضاته المتباينة ويقدم لنا في ذات الوقت موقفاً متقدماً من هذا الواقع من خلال الانتماء للحياة ولجملة تناقضات الواقع وصراعاته.

وفي عودة أخيرة إلى هذه القصص الثلاث من حيث الأسلوب، نجد أن الكاتب في "بوابة مندلباوم" يعتمد اللقطة أو الموقف الذي يلخص مستوى سياسي. وهو يقحم الكثير من آرائه دون تبرير في السياق القصصي، بل ليعبر عن المستوى السياسي ليس أكثر. فالطفلة تتكلم اللغتين العربية والعبرية مع أصدقائها ـ كل الناس يحق لهم الدخول والخروج متى شاءوا عبر البوابة أو سواها إلا أهل البلاد، فالتصريح بالمغادرة يعني الطرد من الجنة وليس من أمل بالعودة ثانية إليها ـ وكثير من الاستطرادات والتعليقات التي تربك بناء القصة نسبياً، بينما في "النورية" يقوم بتقطيع القصة إلى مقاطع ثلاث، نجد أن الأول "بكاء العروس" والثالث "أسنان الحليب" يشكلان إسقاطاً من وعي الكاتب على موضوعه، دون أن يساهما بإغناء القصة حتى في دلالاتها. ولو حذف هذان المقطعان لحافظت القصة على مستوى أفضل. وفي المقطع الثاني "زنوبة" وهو مقسم أيضاً إلى مقاطع فرعية كل منها ينساح في ذاكرة أحد الأشخاص كعوالم تتابع لتشكل لنا البناء القصصي المتكامل. ومع "مرثية السلطعون" يبدو أن الكاتب قد أخذ يتملك أدواته التعبيرية بشكل أفضل، فهو يعتمد أسلوب القص الدائري كما قلنا، وينجح في بناء الشخصية المهزومة بسخرية لاذعة، ونجد أن اللغة وقد تكثفت فيها أشكال الاستخدامات التراثية من جهة والعامية من جهة أخرى. إضافة إلى كمية من الاشتقاقات والتقابلات اللفظية التي تتناسب مع أسلوب السخرية الذي يعتمده الكاتب. وهذه القصة بالذات نستطيع أن نعتبرها المرتكز الذي انطلقت منه تجربة الكاتب فيما بعد.

في تمثيلية "قدر الدنيا" المنشورة عام 1962 نجد مشهداً تمثيلياً من فصل واحد، ولم تستطع التمثيلية أن تنمو كعمل مسرحي، ومع ذلك وجدت أن أقف عندها بشكل خاص، باعتبارها مقدمة أو محاولة أولية في كتابة النص المسرحي والذي يجسد هاجس الكاتب لامتلاك الشكل التعبيري من جهة، ولأن تجربة الكاتب في إطار المسرح استمرت وأنضجت في مرحلة متقدمة، عمله المتميز "لكع بن لكع".
في قدر الدنيا، يتناول الكاتب شرائح من العرب في الأرض المحتلة بعد عام 1948 من خلال عائلة موسعة تصل إلى أربعة أجيال ومما يلفت النظر أن الكاتب لم يعتمد أسلوب المبالغة أو التفاؤل السياسي في اختيار نماذجه، بل كان واقعياً إلى أقصى الحدود، وقدم صورة بائسة إلى حد ما، فالولد الكبير "حسين" قبل بالتعامل مع العدو الصهيوني ضمن تبرير "إما أن أعيش مشرداً مثل حسن، والله وحده يعلم ماذا كان سيحل بكم بعدي، أو أبقى في وطني مع كل الغُلب وأضحي بسمعتي من أجلكم، ومن أجل الوطن!" ص 234. مع أنه سبق واعترف بأن مهنته الوحيدة التي يجيدها هي هدم المنازل "بيت معمور على قبور" فنكتشف تلك المفارقة الساخرة أو لهجة التهكم المضمرة من قبل الكاتب في أن "حسين" يضحي من أجلهم ومن أجل الوطن!
بينما في الطرف الآخر نجد "حسن" أخوه المشرد في لبنان وله زوجة وأطفال في الأرض المحتلة. يبدأ الحدث في المسرحية عندما يعود هذا الأخ ليراهم، فيبدأ تحرك العائلة باتجاه هذا المأزق الجديد. هل يمكن أن يبقى ويحظى بهوية؟ وكيف؟ أو عليه أن يعتقل وربما يقتل إذا انكشف أمره.

قلت بأن الكاتب يقدم صورة بائسة عن الوضع، فها هي العائلة تتنصل من مشكلة "حسن" بينما الأب والنساء عبارة عن كم سلبي غير قادر على الفعل، كذلك "حمدي" الأخ الثاني، يبدو شخصية بدون موقف، أما "حسين" فلا يستشعر بالمشكلة إلا الخطر على وضعه هو وعلاقاته مع العدو، فيتفتق ذهنه عن حل! أن يقايض أخوه الشيوعي "عادل" مقابل تدبير وضع أخيه حسن، وبذلك يقدم خدمة إضافية لسلطات العدو. بالطبع "عادل" لم نره في كل المسرحية ولكن إحساسنا به "قد الدنيا" كما تقول الجدة، بل إن والدته "أم حسين" تبدي تعاطفها مع الشيوعيين من خلاله. وهذا ما يشي بأنه ظل الكاتب أو أنه الموقف المضيء في هذه اللوحة الرمادية. والذي يقودنا باتجاه التفاؤل كموقف سياسي رغم أنه أي "عادل" يعتقل في اللحظة التي كان الجميع يساومون عليه. وتأتي النهاية بشكل مبتسر إذ يعود حسن من حيث أتى دون أن يظهر أيضاً في هذا المشهد التمثيلي.
الكاتب عرض مجموعة من المواقف التي اختارها أو النماذج دون أن يعطي لهذه النماذج فرصة التشكل والنمو ودون أن يجسد الفعل الدرامي في هذه التمثيلية، الشخصية الوحيدة التي أحاط بها الكاتب بشكل معقول، أو عبرت عن ذاتها من خلال بعض المواقف والمفارقات الكوميدية كانت شخصية "حسين" حين يهرب من صوت الشرطي ليختبئ في المرحاض أو من خلال تهكمات "حمدي".
بقيت في المسرحية شخصية الجدة التي يؤكد الكاتب أنها معقدة وأنها خرفة، لكننا نتلمس في ثنايا تعليقاتها موقفاً صلباً وأصالة تصل حد الحكمة، يتجلى ذلك في استحضارها لقصة "عبد الله ابن المتهومة" في مقابل اهتماماتهم العائلية، كذلك يتجلى في موقفها من عادل أو توجيهها للصغيرة حفيدتها، "لا تخافي يا مضروبة. اطلبي من الله أن لا تتخبي في يوم من الأيام.. كوني كعباد الشمس، حيث الشمس توجهي نحوها" ص 237. فمن خلال بؤس الواقع الذي يستشعره الكاتب ويقدمه إلينا نجد النقيض المتمثل في اتجاهين:
1- الجدة بما تعنيه أو ترمز له من أصالة وتراث.
2- عادل، الأخ الصغير والموقف المنتمي والفاعل باتجاه التغيير.
وهكذا فالكاتب استطاع أن يقدم الموقف السياسي أكثر مما يقدم عملاً مسرحياً وبقيت الشخصيات محصورة في نماذجها وفي إطار الحوار ولم تتطور من خلال العرض، بل إن بعضها بقي نموذجاً ذهنياً لم نشاهده مطلقاً. كذلك الحدث أو الفعل لم ينمُ وظلت التمثيلية أشبه بالحوارية التي تذكرنا بشكل أو بآخر بحواريات أفلاطون في "المأدبة" مثلاً.

سداسية الأيام الستة وتجربة الكتابة الروائية
في لقاء مع إميل حبيبي أجرته مجلة "الكرمل" وجه إليه السؤال ـ النص التالي: "في كتابك الأول سداسية الأيام الستة نلاحظ أن الأساسي هو الخبر وليس الشخصية، أي أن القصة تخبر عن أبطالها ولا تقدمهم". وفي هذه الصيغة مواجهة الالتباس الأساس في أية دراسة لأعمال الكاتب الكبير بما فيها السداسية والتي تنطلق من تميزها في مستوى الأسلوب هذا التميز والذي ابتدأ في تجربته القصصية كما أشرنا في تناولنا لـ "مرثية السلطعون" إذ ينطلق من حس تراثي يتفاعل مع موضوعاته فيقدم لنا شكلاً جديداً. هذا الحس التراثي المستمد من "ألف ليلة وليلة" يركز على الوحدة البنائية المتكررة في شكل حكايات. وهذا الشكل لم يأت مصادفة بل كان سياقاً محكوماً بعلية وتذوق محددين في إطار تاريخي وحضاري خاص، نلتمس صداه في فن التزيين والزخرف العربي القائم على تتالي أشكال هندسية منتظمة "الأرابيسك" أو وحدة الإيقاع في الموسيقى الشرقية، أو وحدة البحر في القصيدة التقليدية. وبالتالي كان طبيعياً أن تأتي الحكاية العربية القديمة بهذه الصيغة من التواتر، ونتيجة للانقطاع التاريخي الذي عاشته المجتمعات العربية قروناً طويلة لم نستطع أن نعرف الرواية كفن تعبيري أو أحد أشكال النثر الفني المتطور إلا في مرحلة لاحقة اعتمدت بالأساس نموذج الترجمات الركيكة وما تلاها من محاولات التقليد والتأليف محدودتي الأثر، وفي هذا الجذر العميق يكمن أحد أسباب المأزق الذي تعانيه الرواية العربية بشكل عام إن لم نقل أحد أهم أسبابها.

وتجربة الكاتب في السداسية تأتي في مستوى القطع مع هذا السياق الذي يعيش أزمته الخاصة بغض النظر عن حظ هذه التجربة من النجاح، وبالتالي نحن نجحف الكاتب حقه كثيراً إذ نعمد إلى تقييم نتاجه بالمقاييس والمعايير التي تحكم السياق الأول المأزوم، والذي يرفضه الكاتب، في محاولة لتأسيس أو لكشف مساحات جديدة في الكتابة. ونحن إن اعتمدنا النقد الأدبي السابق نكون كمن يحاكم أو يدرس القصيدة المعاصرة بمعايير الخليل بن أحمد الفراهيدي، وبالتالي نصل إلى إدانتها زوراً وبهتاناً والسداسية عبارة عن لوحات ست متباينة إلى حد ما، أو أنها حكايات يربطها لنا الراوي في حلقات من القص. ونحن لو حاولنا الوقوف على مضامينها لاكتشفنا وحدة الموضوع الأساسية، إذ بعد حرب الـ 67 وضم الأجزاء المغتصبة التقى عرب الأرض المحتلة حديثاً بذويهم في فلسطين المغتصبة سابقاً، وهذه الموضوعة شكلت ظاهرة تناولها الأدب الفلسطيني بكثير من الاهتمام، لما نستطيع أن نلمسه من ظلال إنسانية في مقاربتها للمحاور الأساسية (الأرض والإنسان). وهذه الموضوعة تتواتر في حكايات السداسية وكأننا أمام مشهد يتم تناوله من زوايا متباينة وأبعاد مختلفة، بما يغني الموضوعة ويضيئها ككل. وخارج إطار هذه الوحدة العمومية في الموضوع تبدو اللوحات الست أشبه بقصص قصيرة عن لقاء شطري البلاد في ظل الاحتلال، فهل نسميها رواية؟ أو حتى قصة؟ اعتقد أن هذه التسمية تخضع لذات التجريب الذي يحكم بناءها أساساً والذي يتسع لكل المجالات التعبيرية المعاصرة. وبالتالي في ضوء الوحدات شبه المستقلة للسداسية لا يستطيع البطل أو الشخصية أن تنمو في زمنها الروائي أو القصصي لأن هذا الزمن بالأساس مفقود، وبالتالي الالتباس الحاصل في صيغة السؤال الأول حول أساسية الخبر وأوليته على الشخصية تصبح تحديداً لهذا النمط أو التجربة من الكتابة أكثر منها معياراً نقدياً، لأن من الخطأ أن نحاكم الكاتب على ما لا يدعيه أو يقصده. بالعكس فأنا أرى أنه أفلح في استخدام الأسلوب الإخباري والمستمد من حس تراثي أصيل ليغطي مساحة تجربته الجديدة والتي تفتقد إلى الزمن الروائي كما أشرنا وبالتالي تفتقد إلى الشخصية التي تنمو في زمانها الخاص، ويصبح الزمن هو زمن الأخبار لا زمن الفعل، وتصبح الشخصية هي الحالة المتشكلة لا حالة التشكل والصيرورة. واعتقد أنه في هذا الإطار فقط يمكن بناء المحاكمة النقدية فإما أن نكون مع الكاتب أو نخالفه، وأما أن نلجأ إلى إدانته في ضوء منطق تجربة مغاير، ففي ذلك بعد عن الموضوعية في ألطف القول.

هذا في مجال البناء الروائي، والمسألة لا تنحصر في هذا الإطار فهو يؤكد أن مسألة الحس التراثي تنسحب أيضاً على الاستعمال اللغوي وأسلوب التعبير فيقول: "أنا تأثرت بمصطفى الرافعي.. بأسلوبه وطريقته في التلاعب بالألفاظ"(7) ويتابع: "كما أنني أشعر بأن الجاحظ يشجعني على اختراع الكلمات" فهو يراوح بين الكلمات الاستعمالية أو اللغة المحكية السلسة من جهة وبين مفردات قاموسية دقيقة ومفردات غريبة أحياناً "ما تجعّس مسعود كما تجعّس" كما أنه شغوف بالمقابلات اللفظية "حين سعد مسعود بابن عمه" وتوليد الكلمات واشتقاق التعبير. هذا من حيث اللغة، أما من حيث التناول فهو يوظف الكثير من القرائن والأدلة في سياق حديثه تتراوح بين "عبد الحليم حافظ" و"قصة مدينتين" كما ينتقل من هجرة الرسول إلى يثرب. فيعرج بنا لزيارة لينينغراد، وأقول إن هذه التوظيفات لم تكن قسرية في سياق العمل وفي خصوصية الأسلوب المتبع ـ أسلوب السخرية ـ حيث تغدو هذه المفارقة في القرائن والاستشهادات مع التلاعب بالألفاظ وتوليدات اللغة إحدى المتممات لأسلوبه الساخر في الكتابة والذي يشكل المفصل الثالث والأساسي لفهم كتابات إميل حبيبي.

في السداسية كما قلنا، ست لوحات تدور من حيث الموضوع على لقاء القرب في الأرض المحتلة، بين شطري البلاد وفي هذا النص لا يوجد زمن روائي بل هو زمن الإخبار الذي يتم بعد هذا التاريخ، إنه زمن الراوي والذي يفاجئنا منذ القصة الأولى أو اللوحة الأولى (حين سعد مسعود بابن عمه) فهو يسير بنا على طريقة الحكاية التي نتلقاها من الجدات: "وها كم يا شطار قصة ذلك الصباح التموزي القائظ" أو قـولـه: "لقد بلغتني من فم العصفورة" ورغم أن هذه القصص التي يحكيها لنا الكاتب غير موجهة للأطفال غير أنها مغرقة في أسلوب السرد التبسيطي ومن خلاله يرسم لنا شخصية مسعود ونعرف من العنوان أنه التقى بأقاربه من الضفة، إلا أن حضور المستوى السياسي، كما بينا في دراستنا للقصة القصيرة عند إميل حبيبي يجعله يعطي لمسعود صفة النشاط السياسي "من مثل تنفيس العجلة اليمنى في سيارة الشرطة" أو رفعه لشعار "عرب ذهب" وبالطبع من خلال تلك التوصيفات يعمد الكاتب إلى ربط مسعود بشعبه وبقضيته عن طريق تأكيد انتمائه، رغم أن هذا الانتماء لا يزال مشوشاً في زحمة السياسة العربية وصراعات الأنظمة، كذلك الأمر فإن تفاؤل أخته الفيلسوفة بحتمية الانسحاب غير مبرر وتبقى أقرب للحلم أو الأمل منها للحتمية.

والحدث في القصة بسيط جداً وواضح، مبني على زيارة أقرباء مسعود من الضفة بعد حرب الـ 67 وضم الأجزاء المغتصبة وبساطة الحدث تجعل هذه اللوحة أقرب إلى قصة قصيرة والتي عمد الكاتب إلى الصيغة الإخبارية ليوضح لنا شخصية مسعود من خلال علاقاته العائلية وعلاقته بأقرانه وبعض الحوارات البسيطة التي يغلب عليها الطابع الإخباري ومع ذلك استطاع الكاتب أن يغنيها عن طريق السخرية المكثفة والتي تتناول الأشخاص والعلاقات والمفاهيم، وهذا ما يجعل أدب إميل حبيبي أقدر على التواصل مع جمهوره.
اللوحة الثانية لم تأت بسلاسة اللوحة الأولى، والراوي لا يتمتع بنفس العفوية، بل هي أقرب إلى تسجيل المذكرات، كذلك الحبكة فيها معقدة بعض الشيء، الحدث فيها يعتمد على زيارة الأستاذ (م) وتعليقات الراوي أو حواره، ويقيم الكاتب مفارقة في شخصية الأستاذ (م) مبنية على ثنائية يستمدها من عالم السخرية، ليعطيها بعداً سياسياً بين الخضوع للاحتلال وبين الانتماء الدفين للوطن، هذه الشخصية تذكرنا إلى حد بعيد بشخصية "المرحوم حريز اليقظان" في قصته القصيرة "مرثية السلطعون" إلا أن هذه الأخيرة تبدو أكثر تماسكاً وإقناعاً، فهو مات منسجماً في أزمته بينما الأستاذ (م) وكما يقول الراوي "وإذا الإنسان أعجز من أن يقتل ضميره فيقتل الذاكرة!" ص 17.
هذه القصة بالذات تعرض لها الروائي الناقد غالب هلسا(8) في رده على رد الرد ضمن سلسلة من السجالات البعيدة عن الموضوعية أو الحد الأدنى من الجد الذي يفترضه تناول هكذا موضوعات، وأقول أن هلسا أشار إلى ملاحظات نقدية هامة في أدب إميل حبيبي، لكنها وبكل أسف ضاعت في زحمة الموقف المنفعل، وبعيداً عن الانفعال ورد الفعل نسجل له ملاحظتين أساسيتين على هذه القصة:
1- مدى الإقناع في الحكاية.
2- اشمئزازه من نكات الكاتب ووصفها (بالسخيفة).

ونحن سنتناول هاتين الملاحظتين في محاولة لإغناء العملية النقدية بعيداً عن جو المماحكة. فالقصة كما أشرت تعتمد حبكة معقدة لكنها لا تفتقد قيمتها لأنها غير مقنعة، فالكاتب في سداسيته يشير مراراً إلى مدى المعقولية في أحداثه ويعزوها إلى فقدان هذه المعقولية أو المنطقية في الواقع "فهل هو المعقول في بلادنا؟" ص 28. إضافة إلى ملاحظة مهمة: في هذا النمط من الحكاية لا تأتي مصداقية الحدث أو معقوليته من واقعيته أي بمعنى الحدوث العادي في سياق من المنطق المتماسك بل من دلالته التي يشير إليها وهنا يتركز البحث عن المعقولية.
أما القضية الثانية، وهي محاولة وصف النكات بأنها سخيفة فاعتقد بأنه وصف شخصي ولا يمكن اعتباره تقييم نقدي، وهذه النكات تأخذ سياقها الطبيعي في إطار أسلوب الكاتب الساخر، أما تحليل غالب هلسا للأدب الساخر، فموضوع آخر سنتناوله في عرضنا "للمتشائل".
بعد ذلك تتالى في لوحات السداسية حكايات الكاتب والتي يستمد أغلبها من اللامعقول السابق الذكر، في "أم الربابيكا" يرسم لنا شخصية هذه المواطنة التي ارتبطت بقضيتها وبأرضها، من خلال كنوزها، ولم تستسلم للماضي، بل ظلت تقاوم، وتضحي، في ظروف الاحتلال السيئة، وبعد هجرة زوجها وأولادها، إذ اتخذت من كل الشباب العربي أبناءً وأقارب لها، تهرع إليهم في الملمات وتقف بجانبهم تزورهم في سجون الاحتلال، وتغسل ثيابهم، وتقدم لهم القهوة، وتتحدث في السياسة وقليلاً في الشعر، ولعل هذا الوعي الأولي بإطاره العام مبرر طبيعي لموقفها الصلب والمتماسك حتى تشهد تغير الظروف وتلتقي بزوجها المهاجر إلى لبنان وتبحث معه في موضوع إبنهما السجين.

في هذه القصة نشاهد مساحة للأحداث لكننا لا نشاهد الحدث فالراوي لا يزال يتمتع بكامل صلاحياته في تدوين أخباره أو نقلها إلينا في أسلوب من السرد الشيق والذي يتضمن إشارات مكثفة للاحتلال ومآسي الشعب الفلسطيني الذي تشرد قسم منه في الضفة والقطاع وقسم هاجر إلى باقي البلاد العربية وبعضه لم يزل متشبثاً بجذوره وبأرضه، واللقاء الذي يتم بعد نكسة حزيران، وضم الأجزاء المغتصبة ـ وحتى عن طريق تصاريح الزيارة التي يحصل عليها المهاجرون بواسطة الصليب الأحمر لزيارة ذويهم ـ هذا اللقاء لا يعبر عن عودة الأرض العربية لأن عملية الضم تمت تحت سيطرة الغزاة وفي ظروف الانتصار العسكري. بل هي لقاء الشعب العربي المشطور وفي هذا اللقاء يلامس الكاتب الظلال الإنسانية لأزمة المواطن العربي أكثر مما يؤكد على المستوى السياسي لأن في طرحه لهذا المستوى الأخير لا تزال الأزمة قائمة ولا يزال الابن في السجن وبالتالي لا تزال المقاومة مستمرة.
في "العودة" يقدم الراوي ـ الكاتب نفسه صحفياً من "الاتحاد" وكيف يستعيد الذاكرة مع صاحبه "المقدسي" في يوم الجمعة العظيمة ذكرى القدس، أحيائها، والتعرف على مقابرها وشهدائها، والمسيرة العظيمة، وفي هذا الإطار، يستحضر المقدسي قصة ابنته وعلاقتها بشاب من الناصرة عندما فاخرها بمسيراتهم والاصطدام مع رجال الشرطة ورمي الحجارة فدعته إلى زيارتها في الخامس من حزيران "فأثبتت له أنها أيضاً تعرف كيف تقذف الدبشة"، فطردوها من المدرسة واعتقل هو وأودع السجن وهي لا تزال في انتظاره.
في هذه القصة السريعة لمحات مشرقة لصمود الشعب الفلسطيني وتضحياته، أتت مختزلة جداً في سياق الذكريات وأتت بذات الصيغة الإخبارية، لكنها تؤكد قدرة الكاتب على استحضار السياسي من خلال رصده لحركة الجماهير واستجابتها لذكرى المأساة، ذكرى النكسة الحزيرانية، حيث عبر الشعب عن مواقفه الرافضة لصيغة الاحتلال وأثبت العدو من خلال ممارسته القمعية الفاشية على تكرار حزيران الثاني.

في أغلب قصص السداسية يلجأ الكاتب إلى المزاوجة بين القصة التي يرويها وبين قصة أخرى يستحضرها كما رأينا في "العودة" وغالباً ما تكون مستمدة من الجذر الشعبي كما فعل في "أم الروبابيكا" إذ يحدثنا عن الشاطر حسن. وهنا أيضاً في قصة "الخرزة الزرقاء وعودة جبينه" يعتمد أيضاً هذه المزاوجة بين الشكل الخرافي لحكاية شعبية من حكايا الجدات وبين حدث آخر هو شاهده وراويه، إنه عودة إحدى السيدات المهاجرات أثناء احتلال فلسطين بعد حصولها على تصريح لزيارة والدتها المقعدة وفي الطريق يمرون على عين الماء التي جفت فيستحضر الراوي قصة جبينه التي اختطفت وتعذبت حتى التقت أميراً تزوجته وعندما عادت للقرية عادت الحياة إلى النبع الذي جف وكلك الرؤيا إلى والدتها الضريرة، هذه القصة كان من الأجدى تسميتها "العودة" ففيها تكريس فعل العودة عبر القصتين، ونرى الأم المقعدة تهب واقفةً لاستقبال ابنتها، ونكاد نتجاوز إطار اللا معقولية للحدث قليلاً، غير أن الراوي يقول: "أما الوقوف على عين الماء، حتى أرى هل عادت الحياة تدب فيه، فأجلته إلى يوم آخر" ص 40. وفي هذه النهاية يعيدنا الكاتب إلى المستوى الواقعي للحدث.

اللوحة الأخيرة في هذه السداسية، لا ينطبق عليها تعميمنا السابق، إذ لا يمكن اعتبارها حتى قصة قصيرة، وهي أقرب إلى الخاطرة أو المقال الأدبي، إنما بصيغة محكية، سلسة تستحضر بعض الذكريات من زيارته لـ "لينينغراد" وفي زيارته لمقابر الشهداء يحكي عن تمثال الجرانيت "آلام الوطن" وعن صورة لطفل في الخامسة أقفل كل ما فيه على سؤال: "لماذا لا تردين يا أماه" وبقيت عيناه مفتوحتان على هذه المأساة ثم "تانيا سافتشينا" طفلة عمرها حوالي سبع سنوات تركت في دفتر مذكراتها قبل أن تفقد القدرة على التواصل مع الحياة عبارات مؤثرة جداً عن وعيها للحرب، كيف فقدت اليوم جدتها أو صديقتها أو اللعبة، وفي آخر صفحة كتبت "اليوم بقيت لوحدي" ص 45.
وبالطبع، فالكاتب لا ينقل لنا هذه العبارات والمشاهدات فقط، بل يعطي انطباعاته وحتى رد فعل زوجته وحساسيتها إزاء هذه المشاهد المؤسية عن الحرب والدمار ومصير الإنسان. وهذا ما يجعلها أقرب للخواطر أو المذكرات الشخصية التي يستحضرها في إطار المزاوجة السابقة الذكر، وهنا لا يزاوجها مع حكاية ذاتية أو عجائزية بل مع قصة الفتاة المقدسية من خلال رسائلها في السجن إلى والدتها. وبالطبع، فالكاتب يرمي من خلال هذه المزاوجة إلى وحدة المأساة الإنسانية بين الشعبين الروسي والفلسطيني ليس ذلك فقط، بل يشير في المستوى السياسي إلى موقف إنساني متقدم للعلاقة بين الفلسطينيين وبعض اليهود في الرسالة الثالثة التي لا نجدها، بل يخبرنا بأنها نشرت في الصحف أثناء محاكمة الشرطية اليهودية "التي طردوها من وظيفتها وحكموا عليها بـسنة حسن سلوك، حين وجدوا أنها تهرب رسائل فيروز، إلى والدتها. إن الملائكة موجودة حتى في جهنم" ص51.
وأخيراً، لابد من إعادة تسجيل بعض الملاحظات السريعة على السداسية:
1- أنها كتبت في سياق رؤيا مستفيدة من التقنيات التراثية في الكتابة. على صعيد الهيكل البنائي واللغة مما يشكل قطعاً مع السياق العام ـ النموذج الهرمي للقصة.
2- أنها كتبت بشكل لوحات أو حكايات منفصلة، وتعتمد الأسلوب الإخباري بواسطة الراوي، الشخصية المتكررة في كل اللوحات.
3- بسبب ذلك انعدم الزمن الروائي لصالح الزمن الإخباري وبالتالي نسمع عن الشخصيات. ونتذكر الأحداث، ولا نعيشها.
4- استفاد الكاتب من شخصية الراوي في طرح الكثير من التعليقات والقرائن في مجال الثقافة والسياسة والفكر عموماً.
5- الملاحظة الأخيرة والمهمة أيضاً أنها أي السداسية قد تكون مجموعة قصص أو رواية، أو لا تكون، ولكنها، مع ذلك فرضت نفسها كعمل أدبي استطاع أن يحقق عملية التوصيل مع الطرف الآخر المتلقي، وبالتالي اكتسبت تميزها في هذا الإطار.
 
"المتشائل" وفضاء السؤال الساخر
في دراستنا لإميل حبيبي حاولنا تحديد المفاصل الأساسية لتجربته في الكتابة، والكتابة فعل يقارب الواقع في مستوى الصيرورة أي هو التقاط الحدث في سياق زمني، وقلنا إن الزمن الروائي غائب لصالح زمن الإخبار أو زمن القص. وهذا منسجم مع الاستحضار التراثي لشكل الحكاية كأسلوب أساسي إلا أن الكاتب في روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" يستحضر مستويين للزمن، الأول هو زمن القص فالراوي لا زال يمتلك حضوره في الفعل الروائي، وهو ينقل إلينا رسائل أبي النحس المتشائل، والمستوى الآخر يتجلى في صيرورة أبي النحس من خلال رسائله التي أخذت طابع الحكاية، وهذا ما جعل المتشائل شخصية متميزة في كتابات "حبيبي" الأولى حيث استطاعت أن تنمو لتعبر عن تجربتها من أفق اللا موقف وطابع الاستلاب إلى أفق الفعل وطابع الرفض، والمتشائل ليس فقط هو حالة اللا تحديد أو المزاوجة بين نمطي التفاؤل والتشاؤم، بل "أنا الآخرون" ص 12. كما يعرف نفسه، وفي الآخرين ينتقل المتشائل من الحالة الخاصة إلى النموذج الاجتماعي، أي صيرورته إلى نمط وفق تحديد "غرامشي" وتصبح التجربة الروائية تعبيراً عن صيرورة اجتماعية تمتد في زمانها الأول من حرب الـ 48 أو النكبة إذ كان "فضلة حمار" إلى ما بعد حرب الـ 67 أو النكسة حين يصيح: "مثلكم أنا يا ناس، شجاع مثلكم، ومثلكم لي قدمان ثابتتان على الأرض" ص 177. وفي هذا الانتقال عبور من الحالة الاعتباطية ومصادفة الحمار الذي نعق عوضاً عنه إلى حالة الانتماء للأرض والناس، هذا الانتماء الذي عبرت عنه الأشباح في مسجد عكا "ثم عادت الأصوات تنتسب في عناء مع أن قراها كما فهمت قد درسها العسكر" ص 73.

وهنا حضور المكان ـ الأرض، أما على صعيد الزمن الآخر فيمتد المتشائل في صيرورة إلى ما قبل ذلك بكثير، يعود عبر الذاكرة إلى تجارب الطفولة وإضاءات في التاريخ يحكي لنا عن أيام الدراسة وتجربته في ثورة 1936 وفي هذه العودة امتداد في التاريخ وهو في مستوى أكثر تقدماً فعل انتماء للتاريخ والوطن يتعامل مع التراث بحساسية المنظور الوظيفي لذلك يقرئنا مقاطع من "الجبروتي" في وصف عكا، ليعبر من خلالها إلى مستوى التأريخ عندما عبر مع أصدقائه إلى لبنان إثر انتفاضة الـ 39 لطلب السلاح أو في محاكمة الأولاد المتسللين إلى مستوطنة "ناتاليا" أو انتقام الطائرات الإسرائيلية من مخيمات اللاجئين رداً على حادثة "ميونيخ" وفي فعل التأريخ إطلالة لقصدية سياسية ماثلة في الأدب الفلسطيني عموماً وهي بذاتها نتيجة لحضور القضية الفلسطينية في مستوى الحدث السياسي واستمراريته في الشعب الفلسطيني عبر المأساة، وفي ذلك يكرس الكاتب هاجسه ويعيد الكتابة إلى شكلها الأول كفاعلية اجتماعية دون أن يسيطر الخطاب السياسي، بل استطاع إميل حبيبي أن يحافظ على القيمة الإبداعية للمتشائل كعمل أدبي من خلال البناء الروائي من جهة ومن خلال الأسلوب أيضاً. فعلى صعيد البناء الروائي قلنا أن الكاتب يستخدم الحكاية أو نموذج القص الدائري لجملة حكايات تترافق مع نمو الشخصية في بعدها الأيديولوجي، هذا النمو الحاصل في العلاقة الجدلية بين زمن الرواية ـ الحدث وزمن الأخبارـ الراوي أو القاص، أما على صعيد الأسلوب فأشرنا سابقاً أن الكاتب يعتمد الأسلوب الساخر في الخطاب الأدبي هذا الأسلوب يشير إليه غالب هلسا في رده أو تقريظه السابق(9) فيقول: "ولا بد لنا هنا من الحديث عن نوعين من الفكاهة: الغني والعادي، الفكاهة في مستوياتها الدنيا هي حدس بالمفارقة اللفظية أو المفارقة في الموقف، وهي في مستوياتها الراقية انبثاق تلقائي من داخل الموقف أو خلال وضعه بجوار موقف آخر، بكلمة أخرى إنها ذلك النفاذ العميق التلقائي المبهج، أو الوجه الخفي من الموقف، وهي بهذا إنتاج عملية جدل بين السطح والعمق" وبالطبع في هذا القول كثيراً من الصحة إلا أن غالب هلسا لا يفوته أن يتابع ملاحظاً: "إن فكاهة الأستاذ إميل حبيبي في رواية المتشائل هي في الغالب من النوع الأول" وقبل الدخول في حوار مع آراء هلسا، لابد من العودة إلى الرواية الساخرة كشكل تعبيري ظهر في القرن السادس عشر في أسبانيا مقابل رواية الفروسية.

 كما يشير الناقد لويس عوض في مقدمته لكتاب آلان روب جرييه نحو رواية جديدة، وتشير الناقدة رضوى عاشور في دراستها عن المتشائل(10) إلى أن إميل حبيبي قد استفاد من مميزات رواية "المتشردين" التي ظهرت في أسبانيا كمقدمة للرواية الواقعية فيما بعد. وتعتبر أن المفارقة الأساسية التي انطلق منها الكاتب في أسلوبه الساخر هي: "مفارقة بين مادة الرواية وأسلوبها" أو المفارقة بين "ملحمة النضال الشعبي ومهزلة النكوص الفردي" وأضيف فأقول أن هذا الشكل الساخر وجد له أصولاً في الحكاية العربية بل ربما هو شكلها الأساسي في المقامة وأدب الجاحظ أو نوادر جحا وأبو النواس، ولعلنا نلمس لها ظلالاً في أدب السيرة القديم وخصوصاً "أبو زيد الهلالي". وبذلك يستقيم للناقد أكثر ربط العلاقة بين الكاتب وأسلوبه من خلال الإشارة السابقة إلى حسه التراثي واستحضاره لأسلوب الحكاية، ويشير هو(11) إلى تأثره بالمقامات وطريقته في التلاعب بالألفاظ واختراع الكلمات، وبذلك نكتشف مستويات في شكل الخطاب الساخر تبدأ بالتلاعب اللفظي كالاشتقاق في المتشائل أو التقابل في سعيد أبي النحس، وامتداداً في رسم الكاركتر الهزلي لشخصية المتشائل ونسبه إلى جارية قبرصية "فطلقها، حين وجدها تخونه مع الرغيف بن أبي عمره" ص 63. وأبي عمره كناية عن الجوع ويتابع "أما أنا فقررت أن لا أموت مقوس الظهر" ص 81.

فمن خلال جملة مفارقات في السلوك تعبر عن المواقف التي تعيشها الشخصية بين عالم الديامس وعالم الممارسات الحياتية في ظل نظام الاحتلال الاستيطاني، نجد سخريته تطال الكثير من الأوهام الأيديولوجية العالقة في فضاء السياسة والصراع العربي ـ الإسرائيلي، عندما يشير إلى ما حدث في قرية "برطعة" في المثلث حين مر بها قطيع بقر أردني مسروق ص 120. وفي سخريته لا يقدم الموقف، بل ما وراء الموقف، لأن في السخرية تناول للحدث في السياق الواقعي فيما هي تومي إلى حقيقة مستبطنة في الأيديولوجيا والسياسة المضمرة خلف الأحداث. هكذا يكتشف يعقوب أو يصرح وهو اليهودي المسؤول مباشرة عن علاقة أبي النحس بالجهاز أنه على خازوق وأن لكل خازوقه، وبالطبع لن أشير فقط إلى أن الكاتب لم يعتمد في سخريته على المفارقات اللفظية فقط كما يسعى لأن يؤكد غالب هلسا، بل أشير إلى حقيقة لم يحالفه الحظ في التقاطها، فأسلوب التهكم والمبالغة في الأدب الساخر يأتي رداً على حركة الواقع الممعنة في اللا منطق، أي المفارقة في وجود وأيديولوجيا النظام الصهيوني وممارساته التي تدفع بالمواطن خارج حدود المنطق والمعقولية، فهي في منطقها العدواني الخاص تجعل منطق المواطن غير كافٍ لاستيعاب أزماته فيلجأ للسخرية كما يشير الكاتب "لقد حاولت أن استعيد في قصة المتشائل تجربة العودة من لبنان إلى حيفا من حيث الطريق لا من حيث العائد، وأن أستعيد كذلك لقائي المأساوي بحيفا بعد النكبة والتجأت إلى أسلوب السخرية في هذا الوصف لأن المأساة كانت أقوى من أن تتحملها الذاكرة(12).

وهذه الملاحظة تقودنا إلى طبيعة الدلالة في هذا النمط من القص الإخباري أو الحكاية، إذ لا تأتي مصداقيتها من مصداقية الحدث أي من واقعيته في سياق منطق واقعي الحدوث بل من دلالته التي يشي بها ويشير إليها وفي هذا المستوى فقط تتحدد عظمة الكثير من الروايات الحديثة الوافدة من أمريكا اللاتينية. والتي يغلب على الحدث فيها الطابع التركيبي أو اللا واقعي نسبياً، إنما أهميته تكمن في مدى التصاقها بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي تستبطنه، والمتشائل يشير في نهاية رسائله إلى هذه الحقيقة القيمة فيقول "فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى أخوته الفضائيين ورحتم تبحثون عنه في ديامس عكا القديمة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون" ص 197. أي هنالك مستوى من اللا واقع في المتخيل الروائي يرتبط ويشير إلى واقع محدد في مستوى الدلالات السياسية والاجتماعية، وفي هذه العلاقة بالذات يرتد السؤال الساخر في خطاب إميل حبيبي ليغني مساحة الفعل في فضاء الرواية وفي دلالاتها أيضاً.
أجد ضرورة التوقف قبل أن تستغرقنا الإشارات النظرية كي نعود إلى المتشائل في صيرورته عبر الحدث الروائي أو المتخيل الروائي فهو سعيد أبي النحس وفي هذه المفارقة اللفظية علاقة أعمق في مستوى الدلالات النفسية والسلوكية للشخصية الروائية فهو سعيد في علاقته مع الحياة أو مستوى طموحه للارتباط بالحياة ولو عبر المؤسسة الحاكمة. لكنه تاريخياً ابن النكبة والإفراز السلبي لها، تهمش خارج دائرة الفعل في محاولة المقايضة.

فالكاتب مولع بالتلاعب اللفظي والتقاط الكلمات الغريبة "كأبي عمره" كناية عن الجوع. ولكنه في سياق القص الإخباري يسترسل مع اللغة المحكية والتراكيب الاستعمالية الشائعة، وكأنه في علاقته مع اللغة ينطلق من دلالتها المعرّفة باعتبارها توضح مجموعة من المصطلحات الصوتية تأخذ طابع العمومية والشمول أي تصبح لغة الأمة في صيرورة هذه الأمة للاستقرار عبر تشكلها الحضاري بتأثير الواقع كمعطى اجتماعي وكعلاقات إنتاج واستهلاك. أي اللغة في استقرارها كمعان تتبع لعلاقة التطور الاجتماعي بعيداً عن القواعد النحوية وفي ذلك خروج من أزمة التوصيل وتكريس الخطاب الأدبي في علاقاته بين الإبداع والتلقي كشكل للفعالية الاجتماعية تتبلور عبر اللغة، وفي هذا الإطار تحقق رواية المتشائل كامل طموحها في تقديم نموذج روائي يعتمد شكل الخطاب الإخباري عبر شخصية الراوي ومستمداً الشكل البنائي للحكاية والأسلوب الساخر معاً من مؤثرات تراثية، تتضافر في أسلوب استخدامه اللغوية لتكتسب حضورها لدى الطرف الآخر المتلقي.
 ونؤكد مرة أخرى أن الحكاية لا تفهم في سياق الحدث كمعطى مستقل بل في سياق الدلالة التي يومى إليها، كذلك شخصية المتشائل تتمتع بأكثر من مستوى يتفاعل كل منها مع الآخر في علاقة جدلية تدفع بها للتطور من مستوى الاستلاب إلى مستوى الانتماء وخلق النقيض "سعيد الفدائي" وفي ذلك استحضار للقضية الفلسطينية في مستواها السياسي والذي يمثل هاجس الكاتب منذ البداية، وهذا ما دفع "نبيه قاسم" إلى الإحالة على المستوى المعاشي، غير أن له مستويين، الأول يجد تعبيره في الحدث الظاهري، والمسترجع روائياً ابتداءً بتوصية والده إلى الدون شفارتسك وانتهاءً بتعامله مع المؤسسات كعميل ضد شعبه ووطنه. لكنه في مستوى آخر، هو منتمٍ لهذا الشعب ولهذا الوطن، هذا ما نستحضره عبر الحدث الإخباري عندما اختار العودة إلى حيفا من لبنان، أو عندما ذهب مع أصدقائه لطلب السلاح إثر انتفاضة الـ 39. هذين المستويين تعايشاً معاً في فضاء الرواية بين حياة المتشائل وعلاقته بالمؤسسة وبين حياته في الديامس والتي أنتجت في مستوى الفعل الروائي علاقة حب مع "يعاد" وزواج من "باقية" وهما اسمان ـ رمزان في دلالة للشعب الفلسطيني المشطور بين المنفى والاحتلال. وحتى إبنه فهو "ولاء" ويشير في صدد تسميته أنه عنى به الولاء للدولة وذلك مهابة الرجل الكبير، لكنه أتى ولاءً للأرض والشعب وفي هذا المستوى تبدو الدلالة اللفظية واضحة. وفي علاقة الجدل بين هذين المستويين يتم التطور من الاستلاب واللا فعل إلى الانتماء والبحث عن ارتباطاته الحقيقية في بحثه عن "يعاد" والتقائه بأولادها "سعيد الفدائي" و"يعاد الثانية" وما حضور "سعيد الفدائي" إلا الوجه الآخر لسعيد المتشائل، لكنه الوجه النقي في دلالته السياسية، الوجه المقاوم والفاعل، لذلك يقدمه لنا الكاتب مهيباً حتى في دمه الأحمر بعكس المتشائل، الكاركتر الساخر في سلوكه. وهنا لابد من الإشارة إلى هذه التقابلات اللفظية ودلالتها النفسية والسلوكية في البناء الروائي بين سعيد المتشائل وسعيد الفدائي. بين باقية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ويعاد الشعب الفلسطيني في المنفى. وكما قلت في التنويه: "كانت القفزة الكبيرة التي جعلت روايتنا المحلية تحتل مركز الاهتمام الأول في أدبنا المحلي بإصدار إميل حبيبي (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) سنة 1974 حيث أشغل عالم أدبنا العربي.. المحلي والعربي لفترة طويلة ولا زال" (13).

المراجع
*- هذه المادة جزء من دراسة ستصدر لاحقاً وتتناول مجمل إنتاجات الكاتب الراحل إميل حبيبي الإبداعية.
1- الأعمال الكاملة "الأولى" إميل حبيبي. سداسية الأيام الستة، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، وقصص أخرى، منشورات م.ت.ف.، دائرة الإعلام والثقافة، بيروت، 1980. تعود كل الاستشهادات الواردة أعلاه من المادة القصصية لهذه الطبعة.
2- مجلة الكرمل، العدد الأول، شتاء 1981، حوار مع إميل حبيبي، أجرى الحوار محمود درويش وإلياس خوري.
3- راجع مجلة الطريق. العدد 1، سنة 40.
4- "مختارات من القصة الفلسطينية"، منشورات منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الإعلام والثقافة، تقديم فخري صالح، 1980.
5- البيادر، مجلة أدبية ثقافية اجتماعية تصدر في الأرض المحتلة.
6- مجلة الكرمل، العدد الأول. حوار مع إميل حبيبي.
7- نفس المرجع السابق.
8- مجلة الكرمل، العدد الأول. حوار مع إميل حبيبي.
9- نفس المرجع السابق.
10- مجلة الكرمل، العدد الأول. رضوان عاشور، "موقفان وطريقان".
11- مجلة الكرمل، العدد الأول. حوار مع إميل حبيبي.
12- نفس المرجع السابق.
13- البيادر، السنة الخامسة، العدد الأول.

 
 مـعـلـومـات عـامــة
 مـلـفـــات وطـنـيــــة
 قـضـايــا الصـراع
 تـاريــخ فـلسـطـيــن
 الــقـــدس
 الـنــظــام الـســيـاسـي
 قوانـيـن وتـشـريـعـات
 الــسـكـان
 طوائف ومذاهب وجاليات
 الــصــحــــة
 الـتــعـلـيـــم
 شــؤون اجـتـمـاعـيـــة
 سـيـاحــة
 اقـتـصــاد
 الإســكـان
 عـمــل وعـمّـال
 زراعـــة
 نـقــل واتـصـالات
 جـغــرافـيــــا
 الـمــيــــاه
 الــبــيــئـــة
 ثــقــافـــة
 إعـــلام
 ريــاضـــة
 خـدمــات عـامــة
 شـــؤون إسـرائـيـلـيــة
 مـنـظـمـات غـيـر حـكـومـيـة
 وثــائــــق
 تـقــاريــر